قال الله تعالى «والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء» وقال عن عدة المتوفى (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشراً).

وقد شرع الله العدة والحداد على الزوجة إذا طلقها زوجها أو مات عنها لأمور كثيرة لا نعلمها إلا أننا وجدنا أن العدة هي احترام العلاقة الزوجية وتعظيم حقوق الزوج.

وتعتبر عن الحزن والألم لفقدانه، فتمكث هذه الأيام لا تتزوج ولا تتزين ولا تخرج من بيتها، وحينما يرى أبناء المتوفى وأهله احترام هذه المرأة لمشاعرهم وتقديرهم للحزن الذي أصيب به القوم، فينعكس هذا على علاقتهم بها من ود واحترام وتقدير.

وتظهر الزوجة بالعدة بصورة الزوجة الوفية الكريمة، فيطمئن أهل الزوج إلى أولاد المتوفى أو المطلق ليكونوا في كنف هذه الزوجة الوفية، فيدفعون أولاده إليها بطمأنينة وارتياح، وتزداد ثقتهم بها ذلك أنها حزينة على فراقه فتنظر الى اولاده نظرة عطف وحنان، فكأن الاولاد يذكرونها بهذا الرجل الذي كان حبيباً لها مدة من الزمن ثم فارقها، وعادة يكون الأسف والحزن في الوفاة أكثر في الطلاق، فزاد الله عز وجل عدة الوفاة فكانت أطول من عدة الطلاق بمقدار الضعف.

وشرع الله للوصول إلى معرفة ان رحم المرأة المطلقة أو المتوفى عنها زوجها غير مشغول بحمل من الزواج الذي انتهى بالطلاق أو الوفاة، مما يترتب عليه صيانة الأنساب وحفظها من الاختلاط، فعندما تنتظر المرأة مدة العدة بدون زواج نعلم خلو الرحم من الحمل أو عدم خلوه فيمتنع الاختلاط بين الأنساب عند اجتماع ماء واطئين فأكثر ويمتنع الفساد الذي تمنعه الشريعة والحكمة.

وكذلك إعطاء الفرصة والوقت الكافيين للزوج ليراجع نفسه ويفكر فيما حدث منه، فإذا وصل إلى انه مصيب فيما اتخذه استمر على فراق زوجته، وإذا وجد أنه أخطأ في حقها عاد إلى صوابه بمراجعة زوجته إلى عصمته وذلك في عدة الطلاق الرجعي بدلاً من المضي في الفراق، وذلك حرصاً من الإسلام على إبقاء الرابطة الزوجية.

والعدة تفهمنا أيضا عظم شأن الزواج وسمو مكانته، حيث انه لا ينحل إلا بانتظار طويل، كما أنه لا ينعقد انعقاداً صحيحاً إلا بالشهود، وهذا يجعل الزواج أمراً يصعب انحلاله بسرعة.

وتفهمنا العدة أمراً آخر وهو تأتي الزوجة في إنشاء زواج آخر، حيث انتهى زواج سابق بوفاة أو طلاق، وها هي مستعدة لإنشاء عهد زوجية آخر، فعليها التروي في اتخاذ هذا القرار.

والتأني ولو لبضعة شهور في استعراض الزواج السابق الذي انتهى، وما فيه من صواب وخطأ، فهي في الحقيقة مهلة قبل الإقدام على مرحلة أخرى، وإعطاء المرأة فرصة لتراجع فيها نفسها قبل قدوم الخطاب الذين يخطبونها، وقد نهى الله عن خطبة المعتدة إلا إشارة وتلميحاً، وكل ذلك من الخطبة والنكاح يكون بعد انتهاء فترة العدة.

والحداد ليس مختصاً بشريعة الإسلام، بل كان العرب في الجاهلية يوجبون على الزوجة المتوفى عنها زوجها أن تعتد عاماً كاملاً، فلا تمس ماء وتزيل الشعر وتلبس شر ثيابها ثم تخرج بعد سنة بأقبح منظر، وكذلك الحداد موجود عند اليهود والنصارى والرومان والصينيين وغيرهم وكأن البشرية عموماً تعارفت على الحداد، إلا ان حداد الزوجة في الإسلام هو اسماها وأعلاها وأعدلها بالزوجة.

فما العدة في الإسلام إلا مكث في البيت لا تتزين ولا تتزوج حتى تمضي هذه المدة التي ليست بالطويلة الشاقة عليها. ثم يعود قرار زوجها إليها، فلا تورث كما العادة عند اليهود وغيرهم، بل هي التي تقرر الزواج أو عدمه، بل صارت في قرارها بعد العدة أقوى منها في وقت كانت فيه بكراً، فهذا الذي فهمناه من العدة وهناك حكم أخرى لا نعلمها.

زكريا الطحان