للحديث عن مقارنة المرأة إسلامية لابد أن نرجع بداية إلى ما قبل الإسلام في إطلالة قصيرة على وضعها قبل انبلاج الفجر الصادق للنور المبين ولا حديث لنا قبل حديث الذكر الحكيم.
قال تعالى «وإذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم. يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب إلا ساء ما يحكمون» سورة النحل الآيتان 58 و59 أذن يبدو الأمر واضحا على ما أوردته الآيتان الكريمتان وغيرهما من الآيات في الكتاب العزيز توضيحا لهذا الوضع الذي كانت عليه المرأة قبل الإسلام يكره الواحد منهم في الجاهلية أن يأتيه الخبر بمولودة أنثى والتصوير القرآني لحالته من ابلغ ما يمكن أن يصور، الوجه يسود معنويا وحسيا من شدة الحزن والكآبة على ما بشر به من أمر يخجل أن يتناقله الناس فهو يتوارى منهم في العام الذي لحق به بقدوم هذه الأنثى 3
وينسى هذا الكظيم المتواري خجلا من القوم انه ابن أنثى وزوج أنثى هذه التي ولدت له الأنثى وانه حقا لأمر عجيب يدل على الجهل الذي كانوا غارقين فيه والجهل المعني هنا ليس ما يقابل التعليم كلا منهم كانوا على قدر كبير من المعرفة والثقافة والآداب لكن الجاهلية التي كانوا عليها هذا التعصب الأعمى للتقاليد والأعراف السائدة .
في ذلك المجتمع حتى أنهم رفضوا دعوة الإسلام على الرغم من ان الكثيرين منهم فهموا حقيقته - تعصبا لدين الآباء او ما وجدوا عليه أباءهم والمفاخرة بالأنساب والكبر والتجبر وشرب الخمر والسفه والحروب غير المبررة وانتهاك الحرمات والأعراض والسلب والنهب والثارات وما إلى ذلك.
وفي هذا الإطار او هذا التصور يجيء امتهان الأنثى وتحقيرها فكان البعض يمسكها على مضض والبعض يدسها في التراب وهو ما عرف بالوأد وما أكثر هذا الوأد الذي نقله لنا التاريخ وقبل التاريخ يؤكده لنا قرآننا «ومن اصدق من الله قيلا» قال تعالى «واذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت» وعموما فان الجاهلية اصطلح على أنها الفترة السابقة للإسلام مباشرة .
وما كان يسيطر عليها الوثنية والأخلاق الفاسدة - على ما اشرنا إليه - والتعصب والحمية وما حرمه الدين الحنيف كانوا يقترفونه غير مبالين وجاء الإسلام فانقذ المرأة مما كانت عليه من وضع مهين بل أكثر من ذلك رفعها لان تكون «النساء شقائق الرجال» على ما جاء على لسان خاتم النبيين.
وعلى ما استنبطه هذا الرسول الكريم من القرآن فهو «لا ينطق عن الهوى ان هو إلا وحي يوحى» لقد أعاد الإسلام للمرأة حقها في الحياة الكريمة اللائقة بها كنصف للمجتمع فالرحم التي يشدد الإسلام على وصلها منها من هذه المرأة التي كانت تسام الخسف في عصور ما قبل الإسلام في شتى الأمم والشعوب ولا مجال للخوض في ذلك فما يهمنا في هذا المقام.
ويقول الباحثون في شؤون المرأة حقق الإسلام لها فيما حقق المساواة التامة مع الرجل في الإنسانية وفي التكاليف وفي الجزاء ان أحسنت فلها الثواب على إحسانها وان ساءت فلها العقوبة على سيئاتها وتقبل توبتها ان انابت الى ربها واستغفرت لذنبها لا تختلف في ذلك عن الرجل قيد انملة ونقرأ في حقها في المساواة إنسانيا بالرجل قوله تعالى «جعل لكم من أنفسكم ازواجا» سورة الشورى الاية 11 وقوله تعالى «يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء» سورة النساء الآية الأولى .
وكذلك تأتي المساواة في التكليف والعبادة قال تعالى «من عمل صالحا من ذكر او أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة» سورة النحل الآية 97 وقال تعالى «فاستجاب لهم ربهم اني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر او أنثى بعضكم من بعض» سورة آل عمران الآية 195 وكثيرة هي الشواهد القرآنية في هذا السياق.
المرأة الأم
ان القرآن والسنة لم يتركا سبيلا لتكريمها والتذكير بجميلها على الأبناء لمزيد من البر والإحسان إليها وقال تعالى «حملته أمه وهنا على وهن» سورة لقمان الآية 14 وقال تعالى «حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً» سورة الأحقاف الآية 15 وجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحبتي؟ فقال: أمك قال: ثم من؟ قال: أمك قال ثم من؟ قال: أمك قال ثمن من: قال: أبوك أي ان لها ثلاث فرص مقابل فرصة واحدة للأب وهو تكريم تستحق به الأم هذه الحانية العطوف التي اذا خيرت في حالة تعسر الولادة بين إنقاذها او الجنين لتختار دون تردد إنقاذ جنينها الذي تفديه بحياتها وهذا أمر لا تكلف فيه وإنما هو من الفطرة التي فطرها الله عليها.
والمرأة زوجة
يكفيها أن يصفها الله سبحانه وتعالى بأنها سكن للرجل ومثابة وان علاقتها بزوجها هي علاقة مودة ورحمة وما أعظم هذا الوصف: مودة ورحمة قال تعالى «ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة» سورة الروم الآية 21 وقال تعالى «هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها» سورة الأعراف الآية 180.
والمرأة بنتا
وقد رأينا كيف كانت الأنثى اذا ولدت للرجل تعتبر سوءا له وأمراً يتوارى من الناس خجلا منه ومن ثم أما ان تعيش كما مهملاً ومضطهداً وأما ان تدفن حية «الوأد» وعلى نقض ذلك يجيء الإسلام ليبشر من يعول البنات بأنهن له ستر من النار يوم القيامة فهل من بشرى أفضل من ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من ابتلى من هذه البنات بشيء كن له سترا من النار» متفق عليه.
وقال عباس محمود العقاد - رحمه الله - في كتابه «المرأة في القرآن» ان الآية الكبرى في وصاية القرآن بالأنثى انها وصاية وجبت دون ان يوجبها عمل من النساء ولا عمل من الرجال او من المجتمع بأسره وانها فرضت على المجتمع برجال ونسائه فرضا لم يطلبه هؤلاء وتلك وصاية لم يحدث لها نظير قط فيما تقدم من الشرائع قبل دعوة الإسلام.