العَقْدُ نقيضُ الحَلِّ، وهو الجمعُ بين أطراف الشيء، ويستعمل ذلك في الأجسام الصُّلبة؛ كعقد الحبل، وعقد البناء، ثم يستعار ذلك للمعاني؛ نحو: عقد البيع، والعهد، وغيرهما، فيقال: عاقدته، وعقدته، وتعاقدنا، وعقدت يمينه. قال الله تعالى: وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ (النساء:33). وقرئ: عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ .
وقال: لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ . وقرئ: بِمَا عَقدتم الأَيْمَانَ ، بالتخفيف. وفي التشديد توكيد وتغليظ. وقيل: العقد هو تعليق القسم بالمقسم عليه؛ مثل قولك:
والله لأدخلن الدار، فتعقد اليمين بدخول الدار، وهو خلاف اللغو من الأيمان. واللغو من الأيمان ما لم يعقد بشيء؛ كقولك في عَرَضِ كلامك: هذا حسنٌ، والله، وهذا قبيح، والله. والعُقْدَة: اسم لما يُعْقَد من نكاح، أو يمين، أو غيرهما. قال تعالى: وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّيَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ (البقرة:235).
والعهد هو حفظ الشيء، ومراعاته حالاً بعد حال. وسُمِّيَ المَوْثِقُ، الذي يلزم مراعاته: عَهْدًا. قال سبحانه وتعالى: وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً (الإسراء:34). أي: أوفوا بحفظ الأيمان. ومثله قوله تعالى: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ (النحل:91)- وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ (التوبة:111).
وعهد فلان إلى فلان يعهد. أي: ألقى إليه العهد، وأوصاه بحفظه. قال تعالى: وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً (طه:115)- أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ (يس:60).
وعَهْدُ الله تعالى تارة يكون بما ركزه في عقولنا، وتارة يكون بما أمرنا به بالكتاب وبالسنة، وتارة بما نلتزمه، وليس بلازم في أصل الشرع؛ كالنذور، وما يجرى مجراها. وعلى هذا قوله تعالى: وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ... (التوبة:75).
ويتلخصُّ الفرق بين العقد والعهد في أن العقد أبلغ من العهد. تقول: عهِدت إلى فلان بكذا. أي: ألزمته إياه. وتقول: عقدت عليه وعاقدته. أي: ألزمته باستيثاق. وتقول:
عاهد العبد ربه، ولا تقول: عاقد العبد ربه؛ إذ لا يجوز أن يقال: استوثق من ربه. فالعقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين متعاقدين. والعهد قد ينفرد به الواحد، فبينهما عموم، وخصوص. وكلاهما في الأصل مصدرٌ، ثم استعمل اسما، فجمع العهد على: عهود.
وجمع العقد على: عقود؛ نحو قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ (المائدة:1). وهي ما يتعاقد عليه اثنان، وما يعاهد العبد ربه عليه، أو يعاهده ربه على لسان نبيه عليه السلام. وقيل: العقود هي العهود. وقيل: هي الفرائض، التي أُلزموها بالعقود، التي عقدها الله تعالى عليهم، والعقُودِ التي يعقِدها بعضهم على بعض على ما يوجبه الدين. فالعقود- على ما ذكرنا- أَوكد من العُهود. قال الحطيئة:
أُولئك قوم إِن بَنَوْا أَحْسَنُوا البِنَا ... وإِن عاهدوا أَوفَوْا وإِن عاقَدوا شَدُّوا