صيام شهر رمضان له أثر كبير في النفس البشرية، فهو يهدف إلى تربية الإنسان وتهذب سلوكه ليصبح عضواً صالحا في المجتمع، ينفع نفسه وينفع الآخرين من حوله، ويظهر أثر الصوم وكذا سائر الشعائر التعبيرية على وجوه أهل الصلاح والتقوى الذين آثروا النجاح عندما دخول مدرسة الصوم من أول شهر رمضان وحتى ينتهي إن شاء الله.

وهذا الصنف من الناس تجده يعيش أوقاته في رمضان وغير رمضان في حب الله وفي كل عمل صالح يقربه من ربه ويجعله سعيداً بما يصنع، لذلك فهو يسيطر على غرائزه سيطرة كاملة، الأمر الذي جعله لا ينطق الا خيرا ويبتعد عن الأمور المستقبحة التي تفسد الصوم لأنه امتلك قلبا تقياً نقياً.

قال رسوم الله صلى الله عليه وسلم إن لله أواني ألا وهي القلوب وأقربها إلى الله ما رق وصفا وصلب.

قال أبو عبدالله الترمذي: الرقة خشية الله تعالى، والصفاء للإخوان في الله، والصلابة في دين الله.

وقال: حياة القلوب الإيمان وموتها الكفر، وصحتها الطاعة ومرضها الإصرار على المعصية ويقظها الذكر ونومها الغفلة وفي الخبر: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فتقسو قلوبكم.

المسلم الصالح هو الذي يحب للمؤمنين ما يحبه لنفسه ويكره لهم ما يكره لنفسه.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في معنى قوله تعالى: رحماء بينهم، قال: يدعو صالحهم لطالحهم وطالحهم لصالحهم، فإذا نظر الصالح إلى الصالح من أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال: اللهم بارك فيما قسمت له من الخير وثبته عليه، وانفعنا به، وإذا نظر الصالح إلى الطالح قال: اللهم اهده وثبت عليه واغفر له عثرته.

أهل الصلاح في رمضان تجدهم يعيشون سعداء في بيوتهم، فهم الذين ينثرون السعادة بين أبنائهم وأهلهم فهم لا يتعاملون معهم بجفاء وغلظة، بل يتودد إليهم وينصحونهم برفق ولين ويأخذون بأيديهم إلى ما فيه سعادتهم، وكلما صفت أنفسهم بالصوم وبما يقومون به من عمل الخير والبر انعكس ذلك على المحيطين بهم خارج البيت فتراهم لا يؤذون أحدا من المسلمين بفعل أو قول.

روى عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

وقال صلى الله عليه وسلم في حديث طويل يأمر فيه بالفضائل: فإن لم تقدر فدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدقت بها على نفسك «متفق عليه من حديث إبي ذر».

وجاء عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رأس العقل بعد الدين التودد إلى الناس واصطناع المعروف إلى كل بر وفاجر.

ومن حقوق الأخوة إصلاح ذات البين بين المسلمين.

روى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل سلامي «أي كل مفصل» من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس يعدل بين الاثنين صدقة ويعين الرجل في دابته فيحمله عليها أو يرفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة. (رواه البخاري ومسلم).

وفي الأخبار عن إثابة المصلح وجزالة أجره يقول الحق تبارك وتعالى: فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم. (182 البقرة) ، وقال تعالى: وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين. « الأنفال1».

أهل الصلاح هم أهل الإصلاح دائما بين الناس، لذلك تجدهم في كثير من المنازعات والخصومات يتصدرون المجلس ويحكمون بالعدل والانصاف، وتجد الناس يرتاحون لهم ويدعون لهم بالتوفيق والسداد، كما تجدهم وهم يحققون الوئام بين الأفراد والأسر يشعرون بسعادة لا مثيل لها.

روى عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة. ( رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث صحيح، قال: ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

هي الحالقة: لا أقول يحلق الشعر ولكن يحلق الدين. أي تزيل كل خير وهداية وتجعل المتنافر بعيداً عن آداب الإسلام فالمساعي المشكورة لإزالة الخصام بين الناس دليل سمو نفسي للساعي في الصلح بينهم وله بأقواله حسنات، عدد حروفها بكل كلمة عتق رقبة.

روى عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أصلح بين الناس أصلح الله أ مره وأعطاه بكل كلمة تكلم بها عتق رقبة، ورجع مغفورا له ما تقدم من ذنبه.

وروى عن أنس رضي الله عنه قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ضحك حتى بدت ثناياه، فقال عمر رضي الله عنه، يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ما الذي أضحكك، قال: رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة، فقال يارب لم يبق لي من حسناتي شيء، فقال الله تعالى للطالب كيف تصنع بأخيك ولم يبق له من حسناته شيء؟

فقال يارب فليحمل عني من أوزاري، ثم فاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء، فقال: إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس فيه إلى ان يحمل عنهم من أوزارهم، قال:

فيقول الله تعالى أي للمتظلم أرفع بصرك فانظر في الجنان، فقال يا رب أرى مدائن من فضة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ لأي نبي هذا أو لاي صديق أو لأي شهيد؟ قال الله تعالى هذا لمن أعطى الثمن، قال يا رب ومن يملك ذلك؟ قال: أنت تملكه، قال: بماذا يارب؟ قال بعفوك عن أخيك، قال يا رب قد عفوت عنه فيقول الله تعالى خذ بيد أخيك فأدخله الجنة.

رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق والحاكم وقال صحيح الإسناد.

وعن أبي إمامة رضي الله عنه قال: امش ميلا وعد مريضا وامش ميلين وزر أخا في الله، وأمش ثلاثة أميال وأصلح بين اثنين.

فمن لزم الصلاح والطاعة وقاه الله تعالى الآفات ومكاره الدارين وعاش في دنيا الناس سعيداً.

قال تعالى: وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون . (هود 117)

قال شقيق البلحن: الصلاح ثلاثة أشياء: أكل الحلال وإتباع السنن ومخالفة الهوى.

وقال القشري: إن الله سبحانه وتعالى من كرمه، لم يهلك من كان مصلحاً وإنما أهلك من كان ظالماً.

* وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:

ـ إلهنا يا غفور يا رحيم، قربنا إليك برضاك عنا، وسهل علينا كل عسير، وأرنا من أنفسنا خيرا وأبعد عنا الريب والظنون وهبنا قلباً سليما من الهوى، مفعما بالنهى حتى نكون على الجادة الموصلة لمرضاتك في هذا الشهر الكريم، اللهم اقسم لي فيه أفضل ما تقسمه لعبادك الصالحين وأعطني فيه أفضل ما تعطي أوليائك المقربين من الرحمة والمغفرة والعتق من النار، اللهم جنبنا القسوة والغفلة والأسقام والهموم والأحزان واجعلنا يا رب من المرفوع عملهم المستجاب لدعوتهم وأهدنا للتي هي أقوم إنك على كل شيء قدير.

* اللهم هب لنا من نور هدايتك ما يقربنا من محبتك ويديننا من قربك، وارزقنا يا رب من اليقين ما يثبت أفئدتنا على طريق الحق والخير والرشاد. سبحانك.. سبحانك، يسبح الخلق كلهم إليك،ويقوم الخلق كلهم بك.

ويضرع الخلق كلهم إليك، سبحانك.. سبحانك خلقت كل شيء وإليك معاده، وبدأت كل شيء وإليك منتهاه، بيدك مقاليد السماوات والأرض، تعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير وأنت على كل شيء قدير، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.