ما من زمن رخص فيه الإنسان وانعدمت قيمته كزمننا الأغبر، فإذا كان القرآن العظيم قد قرر أن من يقتل نفساً بغير حق فكأنما قتل الناس جميعاً فإن منطق القرن الحادي والعشرين بغض النظر عن الفذلكات والشعارات البراقة اقتضى ويقتضي أن يموت في اليوم الواحد آلاف من البشر في الحروب الدولية والنزاعات المحلية وبسبب الجوع أو العطش أو التلوث في الهواء والماء والطعام، وأخيراً بسبب العمل المضني في الظروف غير المناسبة ابتغاء لقمة العيش.
من حق البشرية أن تنعق في وجه السياسيين والمخططين والمنفذين لبرامج التنمية والعمل والإعمار الذين لم يراعوا للحياة البشرية حرمة أو حقاً، فلعل هذه الحقبة من عمر الإنسان على الأرض هي الأكثر وحشية واستهانة بحقوق الإنسان في الحصول على حدود دنيا من العيش الكريم، بعد كل ما قيل ويقال عن كرامة الإنسان وحقوقه المختلفة وبعد مشوار طويل من النظريات والثورات والاجتماعات والمؤتمرات والمؤسسات والهيئات التي وجدت لحفظ حياة مطلق الإنسان.
وإني محدثكم اليوم عن ميدان من هدر كرامة الإنسان وحقه في الحياة ارتبط ويرتبط بالعمران وبفترات النشاط والرقي الاقتصادي، مما كان يجب أن ينعكس على كل الناس بهرمهم الذي يبدأ من القاعدة العريضة وينتهي بالذروة من أهل المال والأعمال.
فقد قدمت البشرية الآلاف من الضحايا في التاريخ القديم عندما أنشئت الأهرامات وغيرها من عجائب الدنيا، فمات الكثيرون تحت وطأة العمل المضني المرهق وسياط سادتهم التي لم ترحم لحظات ضعفهم وإرهاقهم وإنهيارهم البدني والنفسي، وقد تكررت هذه المأساة عبر التاريخ العربي وصولاً إلى آلاف الضحايا الذين تساقطوا قتلى العمل في حفر قناة السويس وغيرها.
جاء الإسلام ليطلب من السادة الرأفة بالعبيد والخدم، ووصف هؤلاء الآخرين بأنهم اخوان السادة فلا يجوز تحميلهم ما لا يطيقون ويجب أن يعطوا أجورهم قبل جفاف عرقهم، فالاجراء امتحان للسادة ممن وسع عليهم في الرزق وحسبما يعامل السادة اجراءهم يكون حكم الله عليهم ومكافأتهم في الدنيا والآخرة.
ونسمع اليوم قصصاً لا تليق بالبشرية في لحظة تطورها الفكري والاقتصادي.... فهل يعقل أن تستجلب الأيدي العاملة من أفقر بلاد الله ليعطوا أقل الأجور؟..... حتى أن أجر الواحد منهم وهو ينشئ بناء كل ما فيه ينطق بأنه للمرفهين المنعمين لا يزيد عن ثمن وجبة طعام لواحد من هؤلاء الأخيرين؟
وهل يعقل أن يطلب من هذه العمالة أن تنجز أعمال السنة بشهور قليلة وأعمال الشهر بساعات قليلة؟ وهل يعقل أن يشغل هؤلاء في ساعات ذروة الحر الشديد مع أن القوانين تحظر تشغيلهم في مثل هذه الأوقات حتى يتساقط هنا وهناك رجال تجف أدمغتهم والدماء في عروقهم من حر الصيف القاتل؟
وهل يعقل أن تؤخر أجور هؤلاء شهوراً مع كل ما يتكبدونه من مشاق حتى يخرجوا عن طورهم ويلجأون إلى هيئات العمل الحكومية يطالبون بدريهماتهم القليلة التي قبلوها مقابل عملهم من شدة فقرهم واحتياج أسرهم؟ وهل يعقل أن يحمّل هؤلاء رسوم إقاماتهم وبطاقاتهم الصحية مع صريح القانون الذي يلزم أصحاب الأعمال بدفع هذه الرسوم؟
وهل يعقل أن يحشر كل ثلاثين عاملاً في غرفة واحدة للنوم قد لا تتسع لشخصين أو لثلاثة وأن يخصص لهؤلاء حمام واحد لقضاء الحاجة والاستحمام؟ وهل يعقل آخيراً أن ينسحب هؤلاء بعد إنهاء وتشطيب البناء المرفه الفخم وهم يجرون أذيال الخيبة والحاجة وربما الخوف من تسفيرهم إلى بلادهم حيث يحرمون من رواتبهم الضئيلة التي تكاد لا تكفي لإشباع أسرهم؟
هل هذا هو منطق الرفاه الاقتصادي؟ وهل هذه هي أخلاق رجال الأعمال والمقاولين ومدراء الشركات؟ وهل هكذا يشيد العمران على أشلاء العمال والأجراء؟ الحق سبحانه وتعالى رفع بعض الخلق على بعضهم درجات، لا لأنه يفضل هؤلاء على هؤلاء..... ولا لأن هؤلاء يستحقون وهؤلاء لا يستحقون، بل لأن المسألة اختبار وامتحان:
هل يصبر الفقراء على فقرهم وهل يشكر الأغنياء على غناهم؟ وهل يؤدي الأجير عمله بإخلاص وهل يعطي رب العمل العامل الأجرة كاملاً دون نقصان، دون أن يحمله فوق طاقته ودون أن يضيع ثمن عرقه وتعبه؟ إننا لا نتحدث عن اشتراكية أو شيوعية فات زمنها وانفضحت أكاذيبها، ولكنه منطق العقل والأخلاق والدين، ومن شاء أن يردها فليردها على الله ورسوله.
يا من أعطاكم الله من واسع رزقه وأمدكم بالقدرة على توليد المال من المال ومكنكم من الحياة المرفهة الرغيدة، راعوا حق الله في عبيده ولا تأخذكم العزة بالإثم إلى أن تستأسدوا على الضعاف من خلق الله، «خولكم إخوانكم» أي خدمكم إخوانكم وأجراؤكم إخوانكم، هكذا قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، فهل هكذا يعامل الأخ أخاه؟!