الحياء صفة حلم وأدب رفيع المستوى.. وخلق راق، ومتى تتوافر في المسلم تزيده إيمانا. صح عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما رواه أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد وزهير بن حرب قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رجلاً يعظ أخاه في الحياء فقال: (الحياء من الإيمان).
لقد ارتبط الحياء بالإيمان وبكونه شعبة منه، والحياء ممدود وهو الاستحياء.. قال الإمام الواحدي رحمه الله تعالى: قال أهل اللغة: الاستحياء من الحياء واستحيا الرجل من قوة الحياء فيه لشدة علمه بمواقع العيب، قال: فالحياء من قوة الحس ولطفه وقوة الحياة. وهو كسائر أعمال البر والحياء خلق سيد المرسلين. والحياء يرفع بمستوى خلق صاحبه فيجتنب الفواحش ما ظهر منها وما بطن حين يعلم أن الله مطلع على ما خفي وما ظهر وما غاب وما حضر.
عن قتادة عن أبي السوار العدوي قال سمعت عمران بن حصين قال: قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم :
( الحياء لا يأتي إلا بخير، فقال بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة إن من الحياء وقاراً، وإن من الحياء سكينة فقال له عمران أحدثك عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وتحدثني عن صحيفتك ).
إن الحياء وقار.. وهو الأدب الرفيع الذي لا يخالطه سفه، والحلم الرفيع الذي لا يخالطه فحش ولا صخب ولا اسفاف، والسكينة لا تسكن القلب إلا إذا توافرت صفات رقيقة وخلال طيبة فيه.
وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: مر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على رجل وهو يعاتب في الحياء يقول:
إنك لتستحي حتى كأنه يقول: قد أضربك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (دعه فإن الحياء من الإيمان).
وارتبط الحياء بالإيمان لما فيه من تكملة له، فالمؤمن القوام على خلقه يستحي من الله، ويراقب الله في كل شيء وهذه صفات المؤمن.
وعن عبد الله بن أبي عتبة سمعت أبا سعيد يقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد حياء من العذراء في خدرها).
هذا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستحي.. ومن شدة الحياء يوصف بأنه أشد من العذراء في خدرها.. وكان صلى الله عليه وسلم يستحي من الناس ممن يترددون على حجراته اما طلبا للعلم واما طلباً للطعام، وكان ذلك يؤذيه.. ومع ذلك لم يعلنه من شدة الحياء.
وها هو القرآن الكريم في سورة (الأحزاب) يصور هذا النموذج الفريد من الحياء.. في قوله تعالى :«يأيها الذين أمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستئنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحي من الحق..» سورة الاحزاب.
إن القرآن ينظم علاقة المسلمين بعضهم بعضا، وعلاقة المسلمين ببيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبنسائه أمهات المؤمنين في حياته بعد وفاته. لقد كانت هذه أحداث تقع في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكما كان بعض المنافقين والذين في قلوبهم مرض يؤذونه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيوته ونسائه فيحذرهم الله تحذيراً شديداً ويريهم شناعة جرمهم عند الله وبشاعته. .
إن هذا كان يؤذى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومع ذلك كان يستحي.. والآية تتضمن آدابا لم تكن تعرفها الجاهلية لقد كان يدخل بعضهم فيعلم أن طعاماً يعد، فيجلس في انتظاره ليأكل بدون دعوة إلى الطعام وكان بعضهم يجلس بعد الطعام ـ سواء كان قد دعا إليه أو هجم عليه دون دعوة ـ ويأخذ في الحديث والسمر غير شاعر بما يسببه هذا من إزعاج للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأهله.. وما أحوجنا اليوم أن تتوافر فينا صفات الحياء.
وروى البخاري عن أنس بن مالك رضيى الله عنه قال: لما تزوج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ زينب ابنة جحش دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون وإذا هو كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام من قام وقعد ثلاثة نفر، فجاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم أنهم قاموا، فانطلقت فجئت فأخبرت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم قد انطلقوا فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي) الآية.