عن الزبير بن العوام رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء وهي الحالقة أما إني لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين والذي نفسي بيده لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا ألا أدلكم على ما تحابون به، افشوا السلام بينكم» صدق رسول الله صلى عليه وسلم، رواه الإمام البخاري في صحيحه في باب الأدب المفرد.

أمراض القلوب من حسد وبغضاء يحذرنا منها الرسول صلى الله عليه وسلم بأنها تحلق الدين ثم يقسم بقسم «والذي نفسي بيده» وهو أول من قسم بهذا القسم صلى الله عليه وسلم لأن الذي لا يملك الروح إلا الله ويبين أن الجنة لا يدخلها إلا المؤمن الصادق الإيمان المؤمن المتحاب لأخيه في الله فأراد الحبيب المصطفى أن يبين لنا «يجب على المؤمن» أن يطهر قلبه من الحسد والبغضاء والنميمة وأن يحب لأخيه ما يحب لنفسه حتى يكون الإيمان خالصاً لوجه الله لا رياء ولا سمعة فالمؤمن هو الطاهر في ظاهره وفي باطنه طيب القلب لأنه يعلم أنه له يوم يقف فيه بين يد الله تعالى هذا اليوم هو «يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم».

الاستعارة الفعلية تضيء في هذا النص وهي «دب إليكم داء الأمم» و«هي الحالقة» و«تحلق الدين» وقد جاء فعل الدبيب متسماً بالزمن الماضي زيادة في الترهيب إذ تمت فاعليته. وهو حركة مأخوذة من دبيب الحشرات للتأكيد على امتهان الحسد والبغضاء وتوضيح سماتهما الحيوانية المتدنية والصورة توحي بالمشي الخفي لهذه الأخلاقيات الفاسدة من غير شعور الأمة.

كما أن هذه الحركة تثير حاسة اللمس وتدفع النفس إلى التقزز بما يتراكم من الذهن من صنيع الحشرات في المشاهدات.

وفعل «دب» يشير بالتماس الذي تساعد على تجسيمه الباء الشفوية المشددة ثم إنه يدخل الحركة في الداء حتى يتسم بمعالم جديدة متحركة هاجمة نحو المتلقي واستعمل في النص فعل الحق على طريق الاستعارة تحلق الدين وعلى طريق التشبيه البليغ الذي تكرر في النص الآخر «هي الحالقة».

وقد ذكر بالنص الآخر للاستئناس باستعمال الحلق في الترهيب وجاءت الاستعارة الفعلية «تحلق الدين» بصيغة المضارع أي الزمن الحاضر لتفيد استحضار مشهد الحلق وتكراره وما دامت تحلق الدين فإنه طبقة خارجية تغطي المرء كالشعر وليس أمراً نابعاً من الداخل ولذلك استطاعت هذه الرذائل القضاء على الدين بسهولة.

وثمة تنبيه شديد في النص على المغايرة في الانزياح اللغوي لدى استخدام الشكل الفني كما في قوله «لا أقول تحلق الشعر» وفي هذا المنهج تذكير بالطابع الحسي القديم للفعل المستعار وتفهم فاعليته الجديدة وإيماءاته في خضم الاستعارة.

وقد ورد الحلق مستعاراً بصيغة اسم الفاعل أي الاسمية التي تتضمن الفعل أو تصور الفاعل لحظة قيامه بالفعل فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم إياكم وسوء ذات اليمين فإنها الحالقة. ولقد يبدو للنظرة العاجلة الفناء التام بالحلق الذي لا يبقي من الشعر شيئاً وكأنما يقطع الحسد والبغضاء وجود الأمة والدين من أصله كما يقطع الشعر من منابته خلافاً للقص.

ولكن الإمعان في هذه الاستعارة ودلالتها الحسية القديمة يؤكد أن الجذور تبقى في الجلد وهذه الجذور هي الفطرة التي لا تعني شيئاً إذا لم تتحرك إلى عمل فهذا التعبير يبعث على الأمل برغم التحذير الشديد.

وقد تضمن هذا الهدي الشريف صورة لمسية تثير الشعور بالألم والحذر الشديد لدى حدث الحلاقة كما يعهدها البشر كما أفادت الاسمية الخبرية في «وهي الحالقة» أن الطرفين يتبادلان المواقف والماهية أي ما يدعى بالتماهي فالحالقة البغضاء والبغضاء الحالقة ودل التعبير بـ (ال) التعريف على حصر المعنى مبالغة في توكيده وترسيخه وسكت عن المفعول به في «إياكم وسوء ذات البينة فإنها الحالقة» لإطلاق الخيال لمحاولة الإحاطة بما تحلق مقداراً أو نوعاً.

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.