حث الإسلام على ستر عيوب المسلمين وحرص كل الحرص على محاصرة الفاحشة وقطع كل الطرق المؤدية إليها أو حتى المشيرة إليها والمعرفة عليها، وذلك حتى يتسلط شياطين الإنس والجن على صاحب العيب والخطأ ويستدرجونه لما هو أبشع وحتى لا يستمر في المعصية ويعتادها ويألفها وبالتالي يستصغرها.
وما أكثر ذلك في المجتمع، هذا فضلاً عن فضيحة صاحب المعصية والعيب بين الخلق خاصة الصالحين، والانتقاص من منزلته بين الناس، ويجدر بنا أن نوضح أن الستر نوعان:
ستر حسي وستر معنوي، أما الستر المعنوي فهو عدم فضح المسلم والبوح بخطيئته إن أخطأ أو اقترف ذنباً والواجب هنا عدم تعريته من ستر الله، ولكن النصح له بلين ورفق وشفقة، وأمره بالمعروف واجتناب المنكر، وحين يعمل المسلم ذلك فإنه يستر نفسه يوم الفزع الأكبر حين يكون العرض على الجبار على رؤوس الخلائق والأشهاد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة» رواه مسلم، وستر العبد يوم القيامة إما بغفران الذنوب فلا يسأل العبد عنها أو لا يفضحه على رؤوس الأشهاد، وهذا دليل على أن الجزاء من جنس العمل، فالله سبحانه وتعالى حيي ستير يحب الحياء والستر، ومن ثم كانت المجاهرة بالذنب معصية فوق الذنب تحجب عن صاحبها غفران الله لما فيها من استخفاف بعظمته وقوته ورقابته سبحانه ولما فيها من تشجيع على إشاعة الفاحشة بين المؤمنين لأنها تحرك الرغبة في الشر فيمن يسمع المجاهر أو يراه.
وقد روى الشيخان عن أبي هريرة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً، ثم يصبح وقد ستره الله عليه فيقول: يا فلان عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه».
وحين اعترف ماعز الأسلمي رضي الله عنه بلسانه بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم باقتراف فاحشة الزنا رأينا النبي المبعوث رحمة للعالمين يحاول أن يستر على ماعز فيقول له: «ويحك، ارجع فاستغفر الله وتب إليه» هذا كما جاء في رواية مسلم، فيرجع ماعز غير بعيد، ثم يعود فيقول للنبي:
طهرني، والنبي يقول له مثل ما قال في المرة الأولى وتكرر ذلك مراراً فلما استيقن النبي من اقتراف ماعز الزنا وأنه يريد أن يطهر نفسه ويرجو تطبيق شرع الله عليه ليلقاه بلا خطيئة أمر النبي الصحابة بإقامة الحد عليه فرجموه إلى أن مات. والشاهد هنا محاولة ستر النبي على ماعز، ذلك الستر الذي كلما نجده الآن في مجتمعنا بل نجد من يتربصون لأي فاحشة تقع أو خطأ يقترفه إنسان ـ خاصة إذا كانوا يجدون عليه ـ ولا لينكروه وينصحوا ابتغاء مرضاة الله ولكن ليطيروا بخبره وخطئه إلى الناس ليفضحوه ـ فضحهم الله ـ ولينشروا زلته وهؤلاء حق فيهم الله تبارك وتعالى:
«إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون»، وهؤلاء البعيدون عن هذا الخلق السامي ـ خلق ستر المسلمين ـ الذين يشيعون بالتهمة في أغلب الأحيان ـ لا باليقين ـ فيثرثرون وينشرون أخطاء المسلمين محاولين اسقاطهم من أعين الناس حقداً وحسداً وغلاً وكبراً، هؤلاء نقول لهم اتقوا الله واحذروا أن تفضحوا في الدنيا بين الخلق .
وفي الآخرة على رؤوس الخلائق بتتبعك عورات وزلات المسلمين، فإن أبا برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسمع العواتق فقال: يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه يتبع الله عورته حتى يفضحه في بيته» رواه أحمد وإسناده حسن.
فيا هؤلاء الفاضحون ليكن لكم في النبي وصحابته أسوة فهذا صديق الأمة أبو بكر رضي الله عنه يقول: «والله لو وجدت شارباً للخمر لسترته، ولو وجدت سارقاً لسترت عليه» فإذا وجد المرء أخاه على معصية ومنكر فعليه أن يستره ولا يفضحه حتى لا يسقطه من أعين الناس ولا يعني هذا عدم إنكار المنكر وتركه .
ولكن هناك النصح الذي يصلح المعوج ويقّوم الخطأ مع الالتزام بضوابطه الشرعية وآدابه من السرية وانتقاء الأسلوب المناسب والوقت المناسب وأن تكون بنية الإصلاح والتغيير إلى ما هو أحسن وأن يكون خالصاً لله مع التجرد من حول الناصح وقوته إلى حول الله وقوته.
كما أن على المرء إذا ابتلي بذنب فوقع فيه أن يستر نفسه ولا يحاول أن يخفف من وقع المعصية في نفسه بأن يقص ما اقترفه على الآخرين حتى يخففوا عليه الذنب فقد روي عنه صلى الله عليه وسلم: «من اقترف شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله» ومن ثم عليه ستر نفسه مع التوبة إلى الله والندم على الذنب ولا يخبر بما فعل أحداً إلا إذا كان يريد أن يسأل عالماً عما يترتب على الذنب من كفارة أو نحوها وعليه أن يسأل أميناً عالماً.