الشكور هو الذي يبادل عباده حباً بحب وقرباً بقرب فإن أطاعوه أثابهم، وإن أحبوه أحبهم، وإن اقتربوا من ساحة قدسه شبراً تقرب إليهم بفضله ورحمته ذراعاً، وإن أنسوا بذكره آنسهم بشكره، فهو جل جلاله مع من أخلص إليه قلبه، وأسلم إليه مقاليد أمره، وفر منه إليه، واستعاذ برضاه من سخطه وبعفوه من عقوبته، وقال بلسان حاله: لا منجاة منك إلا إليك والخير كله منك والشر ليس إليك .
والشكور هو الذي يجزي بالحسنة عشرة أمثالها ويضاعفها أضعافاً مضاعفة لمن أتى بها على وجهها تثبيتاً من نفسه وابتغاء لمرضاته .
والشكور: هو الذي يعفو عن عباده إن سألوه العفو، ويقبل توبتهم إن تابوا إليه، ويذهب عنهم الهم والحزن إن أكثروا من ذكره وشكره وتلاوة كتابه بتدبر وفهم، وأنفقوا من أموالهم سراً حيث يكون السر أفضل، وعلانية حيث تكون العلانية أفضل .
والشكور: هو الذي يفتح أبواب جنته لمن مات على التوحيد الخالص وإن قل عمله تفضلاً منه ورحمة فإن الموحد شاكر لأنعمه على قدر وسعه وطاقته والله يشكره على قدر جلاله وكماله وشكره له يتمثل في إدخاله الجنة برحمته لا بعمله .
يقول الله عز وجل في سورة فاطر: ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ) .
وقد قرن الشكور بالغفور في هذه الآيات والتي قبلها ـ للدلالة على تلازمهما في الفعل فالذي من شأنه أن يشكر من شأنه أن يغفر، لأن الغفران مصاحب للشكران ومقدم عليه في الفعل فإن العبد إذا حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله وعمل عملاً صالحاً ـ بادره ربه أولاً بمحو خطاياه لأن الحسنات تذهب السيئات كما عرفنا من كتاب ربنا عز وجل ثم يمن عليه بدخوله الجنة برحمته لا بعمله. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لن يدخل أحدكم الجنة عمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله قال: ولا أنا حتى يتغمدني الله برحمته .
إن ربنا غفور لمن تاب إليه وأناب، وشكور لمن شكره على وافر نعمه .
وشكر الله يحتاج إلى شكر لأنه هو الذي وفق عبده للشكر، فإن شكره على نعمة التوفيق للشكر، احتاج الشكر الثاني إلى شكر .. إلى ما لانهاية فكيف نشكره إذن؟! .
فقال بعض العارفين: اعترافك بالعجز عن الشكر هو عين الشكر فإن كنت لله شاكراً كان الله لك شكوراً أي: كان شكره لك أعظم بكثير وكثير من شكرك له .
ونحن لن نستطيع أن نوفيه معشار ذرة من حقه في الذكر والشكر وهذا الاعتراف منا كاف في المعذرة ونافع لنا في الآخرة .
ومن معاني الشكور: أنه هو الذي يبارك الحسنة القليلة وينميها لصاحبها ويتقبلها منه قبولاً حسناً وهي قد لا تساوى شيئاً في أنظار الناس لتفاهتها عندهم
وفي ذلك يقول الله عز وجل في سورة الشورى : ( ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسناً إن الله غفور شكور ) .
فهذه مغفرة الله الواسعة مبسوطة لمن يجيؤون إليه تائبين من ضلالهم متبرئين من شركهم حيث تشملهم الرحمة والمغفرة وحيث يشكر الله لهم ما صنعوا بأنفسهم من إحسان ( إن الله غفور شكور ).
قال تعالى :( يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد) .
أي: أنتم الفقراء فقراً تاماً إليه، نواصيكم بيده، ماض فيكم حكمه، عدل فيكم قضاؤه، وهو الغني بذاته عن سائر مخلوقاته، الحميد الذي يحمد عباده ويحمده عباده، فهو حميد بمعنى حامد وحميد بمعنى محمود.
وقال الله عز وجل في الحديث القدسي، الذي رواه مسلم: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا، يا عبادي، كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي، كلكم عار، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعاً، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي، إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني.
ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لو أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم - ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم - ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته - ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي، إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً، فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه».