الصورة المشهورة لإبراهيم طوقان هي صورة التقطت سنة 1934 تعبّر عن كثير من ملامحه الداخلية، مثلما تُفصح عن أحواله الجسمانية الظاهرة. وهي الصورة التي عليها إهداء الشاعر، وتوقيعه؛ قدّمها إلى ابنة أخيه أحمد المسماة ب(فوز) وهي الصورة التي اعتُمدت عند طباعة الديوان، واختارها الزّركلي في الأعلام، ود. عمر فروخ حين ترجم له. وكان طوقان صديقاً حميماً لفروخ.
كما أنهما كانا قسيم الرباعي الشعري الثقافي الذي نبغ في الجامعة الأميركية أيام دراستهم الجامعية، والشاعران الآخران هما حافظ جميل من العراق، ووجيه البارودي من ا لشام (من أهل مدينة حماة).
وعلى الرغم من انشغال الشاعر وشعره بقضية العرب الأولى: قضية فلسطين كان في شعره متسع محدود لبعض أمور الحياة، وفيها الغزل الرقيق. ومن هنا تلقب الأربعة الشعراء بألقابٍ من تاريخ الأدب القديم، واختارطوقان أن يكون (العباس بن الأحنف) شاعر الغزل الصدّاح صدر الدولة العباسية.
وقد أشار إبراهيم طوقان ـ مع روح الدعابة المعروفة فيه ـ إلى حال بدنه من نحافة العود وشحوب الوجه، وهذا واضح في الصورة أيضاً، فقال من قطعة:
وطبيب رأى صحيفة وجهي
شاحباً لونها وعودي نحيفا
قال: لا بُدّ من دم لك نُعطيه
نقياً ملء العروق عنيفا
لك ما شئت يا طبيب ولكنْ
أعطني من دم يكون خفيفا
ومن هنا ترددت في ديوانه أصداء أحواله من الصحة والمرض، والتوعّك والعافية، ومن هذا الجانب قوله:
إليك توجّهت يا خالقي
بشكرعلى نعمة العافيَهْ
إذا هي ولّت فمن قادر
سواك على ردّها ثانية؟
وما للطبيب يدٌ بالشفاء
ولكنّها يدك الشافيه
تباركت أنت معيد الحياة
متى شئت في الأعظم الباليه
وأنت المفرّج كرب الضعيف
وأنت المجير من العاديه
وذكرت فدوى أخت إبراهيم في كتابها (أخي إبراهيم) أنّ الطبيب المعالج لمّا سمع شعره عن الدم الخفيف المطلوب قال له ممازحاً «أنت ونصيبك». وكان في إبراهيم دُعابة و..رقّة.
وأخبرتنا فدوى أيضاً قصة القطعة التي كتبها إبراهيم تحت صورة فتاة وعنوانها في الديوان «صورتها المكبّرة» في صورة حسناء إشبيلية أندلسية كان إبراهيم قد نظم فيها عدداً من نصوصه الغزلية، ومنها قصيدة أوّلها:
أفدي بروحي غيد إشبيلية
وإن أذقْن القلب صاب العذاب
قالت: وفي هذه الإشبيلية الحسناء كانت قصيدته: «صورتها المكبّرة»
وهي:
برّح بي الشوقُ فلمّا طغى
فزعت للرسم فكبّرتهُ
وما شفى داءً ولكنّما
قلبي شكا البعد فعللّتهُ
ولم أجد في الرسم أخلاقها
جربتها حيناً وجرّبْتهُ
منتظري في غرفتي دهره
جود بخيل ما تعوّدتهُ
ظل وقد ناجيته باسماً
ولم يمانع حين قبّلتهُ
عرفت للرسّام إبداعه
وعدت للرسم فأنكرته
قد فاته دلّ تعرفْتُه
فيها ومَطْلٌ قد تذوَّقْتُه
لو جاءني الرسّام بالمشتَهى
(............) بالله وأشركتهُ
وقد التقط الشاعر جانباً لطيفاً من المعنى، وهو ادّعاؤه أن رسم الفتاة ـ وإن كان جميلاً ـ أغفلَ عدداً من صفاتها، ولو استطاع إدراج تلك الصفات النفسانية مع الملامح الظاهرية لكان الرسام مبدعاً حق الإبداع!..
وفي مقدمة كتاب فدوى أربعة أبيات افتتاح موجهة إلى إبراهيم قالت فيها:
ثمّ تراميْتَ صريع الوَهَنْ
فخّضب الجرحِ سليبَ الضّمادْ
وامتنع الشدو كأنْ لم يكنْ
وجُذوة القلبِ استحالت رمادْ!
ـ رحم الله إبراهيم طوقان
