من وهج الذاكرة وحنين شديد إلى الماضي، تحدث إلينا الشيبة راشد بن حمود الحمدي كبير أهالي ثوبان التي تقع على بعد 40 كيلو مترا إلى الغرب من الفجيرة، على الطريق العام الموصل من الذيد إلى مسافي، وهي أول بلدة تطل عليك في إمارة الفجيرة، يجاورها السيجي والمنامة وسوق الجمعة في مسافي، تحدثنا عن حياة أهالي ثوبان التي ما زالت منقوشة في ذاكرته، خالدة معه يحملها كعصاه التي لا يفارقها أبدا وبندقيته التي لا يستغني عنها، ساعتان قضيناها معه مرت علينا كاللحظات.

وهو يتحدث عن ماضي ثوبان الجميل، حيث كانت غنية بالوديان والخضرة ويكثر في جبالها الغزلان بحيث تبدو كلوحة فنية رائعة الجمال منقوشة على ثوب ليعطيه مزيدا من الروعة والجمال، ومن هنا جاء اسم ثوبان . بدأ الحديث الجميل بحنين جميل للماضي رغم ما تحمله من خوف ومشقة العمل، حيث كان الناس يسافرون مجموعة ويحملون أسلحتهم، إلا انه كان يتمنى لو أن يعود ولو لحظات لما فيها من حب وألفة وتعاون، فكما يقول ان حياة الماضي كانت أسهل بكثير من الحاضر، بالرغم من توافر كافة وسائل الاتصالات والمواصلات في العصر الذي نعيشه، فمطالب الناس وحاجاتهم كانت بسيطة، حيث كانوا يعيشون ببيوت العريش في موسم الصيف بينما يعيشون بالخيم في فصل الشتاء، وكانوا يتكاتفون فيما بينهم، ويحبون بعضهم البعض.

ولا يوجد بغض وحسد بينهم، وكانوا يجتمعون يوميا ويساعدون بعضهم في كل شيء، وفي مناسبات الزواج كانوا يقدمون كل ما لديهم للعريس فمنهم من يجلب ناقة وآخر من يحضر خيمة ومنهم ما يهدي العريس بندقية أو يحضر الطعام، فحياتهم فيها ألفة ومحبة وتعاون وتكاتف، لكنه اليوم يتحسر لأنه لا يرى مثل ذلك على الاطلاق، فالناس ابتعدت عن بعضها ولا تكاد تتجمع إلا في المناسبات .

ويذكر الشيبة راشد أن الناس كانوا يأكلون مما يزرعون ، ويقتاتون على تجارة الفحم «السخام» الذي كانوا يبيعونه في رأس الخيمة ودبي والشارقة وينقلونه على راحلة من الحمير أو الإبل حيث كانت تستغرق الرحلة إلى دبي 5 أيام، وكانت تشتهر ثوبان بزراعة الهمبا والشعير والنخيل.

كما أن مياه الأودية التي كانت تجري في ثوبان والمناطق القريبة كانت لا تتوقف معظم أيام العام، ويذكر من الأودية ثوبان ودقيق والحويص والقصف وعش النسر وشعبة الخيمة التي معظم مياهها نضبت وما عادت تجري، وكانت ثوبان لوفرة مياهها وأشجارها تعيش بها قطعان الغزلان، فكنا نقتات عليها ونخرج لصيدها في البندقية التي كان لها أهمية كبرى في حياة الناس .

ويضيف الحميدي حول ذكريات البندقية أنها كان لها أهمية كبرى في كل بيت حيث يستخدمها الناس للصيد وفي الدفاع عن النفس من أطماع القبائل المحيطة حيث كانت ثوبان خط الدفاع الأول للفجيرة وكان يتكاتف أهلها في الدفاع عنها حيث يقوم الرجال بمراقبة الدخلاء من خلال الجبال المحيطة وكان أهلها يستبسلون في الدفاع عنها، ويذكر من البنادق التي كانت تستخدم في ذلك الحين ساكتوه والصمعة والخدوي ومانيه وهولند ودكر.

وعن دور النساء في الماضي بين الحمدي أن المرأة كانت تتحمل الكثير من الأعباء فهي إضافة إلى أعباء المنزل تجلب الماء وترعى الحلال وكانوا يعملون الخوص والمكبة والصرود والحصير، حيث كانوا يعطونه لأزواجهن لبيعه في أسواق دبي والشارقة.

ويتحدث كبير أهالي ثوبان عن رمضان في الماضي فيقول كنا نطالع الهلال ونصوم لرؤيته ونفطر على رؤيته، وكان الناس يأكلون مع بعضهم فيحضرون ما يعد من الطعام ويأكلون في المبرزة حيث يلتقون مبرزة للرجال وأخرى للنساء وهي في منتصف الطريق بين الخيم حيث كانوا يسكنون في أماكن متباعدة، وكانوا يحضرون الخبيص والهريس والعيش والتمر واللبن واللحم المشوي.

الفجيرة : فراس العويسي