تمثل الضجة التي أثيرت مؤخراً في ألمانيا حول العرض المسرحي «أيدومينيو» لموزارت بدعوى أنه يمثل إساءة للرسول مثالا جديدا على مدى اتساع أزمة الثقة بين العالمين الإسلامي والغرب، الأمر الذي يفرض البحث في سبل تجاوز هذه الأزمة بكل الطرق تخفيفا لأجواء التوتر والإحتقان لدى طرفي العلاقة .. المسلمون والغربيون.

والجهد هنا مطلوب على الجهتين، فعلى المسلمين التعاطي مع هذه القضايا وفق الاساس الذي أشرنا اليه في موضوع سابق في نفس المكان والمتمثل في تجاوز المقدسات في الغرب، بما يعني هنا ان الإساءة لا تستهدفهم بقدر ما تأتي في سياق عام قد ينال من الاديان جميعا. ولا يعني ذلك بالطبع المناداة بالصمت حيال مثل هذه الأمور غير أنه إنما يعني ضرورة التعاطي معها بشكل هادئ يعزز فكرة إيمان الإسلام بالحوار والدعوة اليه. أما على الجانب الغربي فمن المفترض أن تراعي الطبائع الخاصة بالعقائد الأخرى قدر الإمكان حتى ولو إنطلاقا من أسس حرية التعبير في النظرة الغربية، رغم أن هذه المهمة غربيا تعد صعبة في إطار بعد الشقة بين الواقع الديني في كلا المجالين،الأمر الذي تمثله مسرحية «إيدومينيو» خير تمثيل.

باختصار فإن المسرحية والتي استقى موزارت موضوعها من الأساطير اليونانية تعبر عما تؤمن به هذه الأساطير من وجود صراع بين الإنسان والأله أو الآلهة حسب اعتقادهم. إلى هنا والامر قد لا يبدو غريبا. غير أن المشكلة أن المسرحية في إخراجها الحديث تضمنت مشهدا يصور رؤوس عدد من الأنبياء وهي مقطوعة، من بينهم، حسب المسرحية، المسيح والرسول صلى الله عليه وسلم إلى جانب بوذا وكذلك من يطلق عليه موزارت إله البحار اليوناني بوسيدون حسب الاعتقادات القديمة

هنا ترد ملحوظتان بشأن ما أثير عن احتجاج المسلمين يكشفان عما نراه عمق أزمة الثقة والتي تعززت في السنوات الأخيرة وتتزايد يوما بعد يوم. الأولى تتمثل في أن الاحتجاجات جاءت، في حدود ما نشر، من المسلمين فقط ولم تصدر احتجاجات مسيحية أو بوذية، الأمر الذي يكشف عن حساسية المسلمين تجاه أي شيء يصدر من الغرب وتأويله على أنه يعني الإساءة. الملحوظة الثانية أن المسرحية كان قد تم عرضها في عام 2003 دون أن تثير كل هذه الضجة، وهى الضجة التي انتهت هذه المرة إلى قرار مخرجة العرض بإلغائه إزاء ما أثير عن تهديدات حال الإقدام على عرض العمل الأوبرالي.

لقد أثار قرار الالغاء المزيد من الحنق على المسلمين باعتبارهم قيدا على حرية التعبير، الأمر الذي شاركت فيه المستشارة الألمانية ميركيل ذاتها محذرة من الخضوع لما أسمته العنف الإسلامي. ولا نشك في ان القضية كان من الممكن أن تأخذ أبعادا أكثر خطورة على مستوى السجال الحاصل بين العالم الإسلامي والغرب خاصة وأنها تزامنت مع تصريحات البابا التي اعتبرت مسيئة إلى الإسلام.

لسنا في معرض تحديد الطرف المخطئ والطرف المصيب، لكن ترد مع ذلك بعض الأسئلة والاستفسارات على رأسها: هل من الصحيح والواجب في ظل أجواء مشحونة بالتوتر في علاقة معينة أن يتم صب المزيد من الزيت لزيادة اشتعال هذه العلاقة؟ وألم يكن هناك بديل إخراجي يمكن من خلاله التعبير عن فكرة المؤلف دون أن يتم ذلك بالفجاجة التي كانت مقررة في المسرحية؟ . أما على جانبنا الإسلامي، وبافتراض صحة التهديدات الموجهة ضد القائمين بالعمل المسرحي أليس هناك طرق أخرى يمكن من خلالها التعبير عن رفض ما نراه إساءة إلى ديننا يتناسب والقواعد المعمول بها في الدول الغربية المضيفة، وهي المانيا في هذه الحالة؟ اسئلة نتصور أن الإجابة عنها تفسر لنا أبعاد أزمة علاقات الإسلام والغرب.

؟ مصطفى عبدالرازق