يقول الله تعالى: «ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين» (التحريم:12). هذا المثل يصور لنا عفة مريم وطهارتها وبراءتها مما قاله اليهود الفجار، ونشأتها في العبادة، وتصديقها بكلمات الله وكتبه، لقد تعرضت لأحرج موقف عرفه البشر، ولكن إيمانها جعلها تقف أمام هذه العواصف الهوجاء، والزوابع الرعناء، مما يجعلها نموذجاً يتبع.
لقد عرض القرآن قصتها في أكثر من سورة من القرآن، بل خصص سورة سميت باسمها تحدثت عن قصة ولادتها للمسيح عليه السلام، وبراءتها من الإفك الذي نسج خيوطه الأفاكون والدجالون، فبرأها الله مما قالوا، كما برأ ابنها مما قالوا، وكان عند الله وجيها، ولسنا الآن بصدد الحديث عن قصتها كما عرضها القرآن في سور كثيرة، وإنما نعرض قصتها على ضوء هذا المثل، لقد خصها الله بالكرامة منذ ولادتها.
وتنافس الصالحون في كفالتها، فنشأت في عفة ونزاهة، ونقاء وطهارة، فلما حملت بعيسى عليه السلام بعد أن نفخ روح الله فيها، وجدت نفسها في حيرة بالغة، ماذا تقول للناس؟ لقد سرى الله عنها، وأذهب عنهم الهم والحزن، ورزقها بالرطب الجني، وطلب منها أن تقر عينها وبأن ترد على البشر عند سؤالهم لها بقوله:
«إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا» (مريم:26). لقد جعل الله براءتها على لسان وليدها، فكان من الثلاثة الذين نطقوا في المهد، ومع هذه البراءة فإن اليهود قالوا مقالتهم البذيئة، وإذا كان المثل الأول من الأمثال التي ضربت للمؤمنين، قد تضمن صورة المرأة المتزوجة التي تبرأت من زوجها، ولم تتابعه على كفره، بل تنصلت منه، وتركت له دنياه، إيثارا لما عند الله على ما عنده من زخرف الحياة ، فإن المثل الثاني قد كان على عكس المثلين السابقين، المثل الأول:
مثل الزوجة الكافرة مع زوجها المؤمن، وقد ضرب هذا للكافرين، والمثل الثاني: مثل الزوجة المؤمنة مع زوجها الكافر وقد ضرب للمؤمنين، لكن المثل الثالث تضمن صورة امرأة لا زوج لها مطلقا لا من المؤمنين ولا من الكافرين.
يقول ابن القيم عن هذا المثل: مريم التي لا زوج لها، لا مؤمن ولا كافر، ثم يعقب على الأمثال الثلاثة بقوله: فذلك ثلاثة أصناف من النساء: المرأة الكافرة التي لها صلة بالرجل الصالح، والمرأة التي لها صلة بالرجل الكافر، والمرأة العزب التي لا صلة بينها وبين أحد، فالأولى: لا تنفعها صلتها ولا سببها، والثانية:
لا تضرها صلتها وسببها. والثالثة: لا يضرها عدم الصلة شيئا. يشير الزمخشري إلى لفتة لماحة فيقول: وإنه جمع في التمثيل بين التي لها زوج والتي لا زوج لها تسلية للأرامل وتطييبا لأنفسهن، كما يقول: وقد قرن في التمثيل بالمؤمنين بين مريم وامرأة فرعون، ولكن ما هي الكتب التي صدقت بها والكلمات التي آمنت بها؟
يجيب الفخر الرازي عن هذا بقوله: المراد بالكتب الكتب الأربعة، وأن يراد جميع ما كلم الله تعالى به ملائكته وما كتبه في اللوح المحفوظ وغيره، أما الكلمات، فالمراد بها الصحف المنزلة على إدريس وغيره، ويضيف إلى هذا رأيا آخر بناء على القراءة الأخرى التي أفردت ولم تجمع وهي «بكلمة الله وكتابه»، أي بعيسى وكتابه، وهو الإنجيل.
وقد أشار إلى هذا الرواية النيسابوري. ولكن الطبري يقول: «كلمات ربها»، أي آمنت بعيسى، وهو كلمة الله وكتبه، يعني التوراة والإنجيل، وقد فسر الخازن الكتب بالكتب المنزلة على إبراهيم وموسى وداود وعيسى عليهم الصلاة والسلام.
والنيسابوري فسر كلمات الله بصحف إبراهيم وغيره، وكتبه باللوح أو الكتب الأربعة. والذي يرجحه الفقهاء هو رأي الإمام الطبري في تفسيره لكلمات الله وكتبه، لأن القرآن لم يكن قد نزل بعد، فكيف آمنت به وإن كانت قد آمنت بمضمونه من توحيد الله وإرساله الرسل وإنزاله الكتب، فالتفسير الذي فسر كتب الله بأنها الكتب الأربعة في وقت مريم العذراء البتول لا يتفق وواقع الحال والزمان، لهذا فقد رجحت رأي الطبري، ومما يقويه ما ذهب إليه الخازن. ثم قال الله تعالى: «كانت من القانتين»، ولم يقل: من القانتات، لأنها امرأة، فلماذا ذكرها ضمن الرجال؟
أجاب عن هذا الغرناطي في كتابه «التسهيل في علوم التنزيل» بقوله: إن القنوت صفة تجمع الرجال والنساء فغلب الذكور، وقد أشار إلى هذا النيسابوري بقوله: من باب التغليب كم مر في قوله: «واركعي مع الراكعين»، وقيل من للابتداء، أي ولدت منهم لأنهم من أعقاب هارون عليه السلام.
وقد وضح البيضاوي هذا بقوله: والتذكير للتغليب والإشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم أو من نسلهم، فتكون من ابتدائية. ومما يقوي هذا الرأي وأنها بلغت من المكانة والمنزلة درجة لا تقل عن درجة الرجال الكاملين، ما روي عن النبي أنه قال: كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع:
آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم ابنة عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. في حين أنه أشار إلى هذا المثل في كتابه «صفوة التفاسير» ، فذكر ثلاثة أمثال، وقد سبقت الإشارة إلى ما ذكره ابن القيم من أن الأمثال ثلاثة:
واحد للكفار، ومثلان للمؤمنين، وكذلك سائر المفسرين، فلعل هذا يكون سهوا منه يجدر به أن يتداركه خاصة وهو يعطي صورة موجزة عما تضمنته سور القرآن من قصص وأمثال وغير هذا. وقد تضمن أسلوب هذه الأمثال من روعة التصوير، وقوة التعبير ما يجعلها في الذروة والسنام، فقد جاء فيها: التمثيل الذي يراد به إيضاح حالة بحالة مشابهة لها في الغرابة حتى تتضح الصورة في الذهن ويفهم المعني والمراد.
وثانيا: أسلوب المقابلة بين مصير أهل الكفر وأهل الإيمان، فالكافرون لهم النار والمؤمنون لهم الجنة، وهذا لون من ألوان البديع، وفي هذا حث على التمسك بالإيمان والبعد عن الفسوق والعصيان والكفران. والآيات فوق ذلك كله، موجهة وهادفة، موضحة أن الحق ثابت ودائم لا يتغير بتغير الأشخاص، ولا بتغير الزمان والمكان.