(خالد الساعي) فنان تشكيلي سوري مقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، وهو متفرغ الآن في بيوت الخطاطين بالشارقة. درس الفن في كلية الفنون الجميلة بدمشق، لكنه اتجه إلى اللوحة الحروفيّة التي أنتجها برغبة ونشاط، وقدمها عبر أكثر من معرض فردي أو جماعي، داخل سوريا وخارجها. كما حصل مؤخراً على جائزة البركة الدولية للخطاطين المحترفين في الدورة الأولى لفن الخط العربي، التي يرعاها البنك الإسلامي في اسطنبول.
يقول الفنان خالد الساعي، ان إشادة بعض الفنانين الكبار أمثال (بيكاسو، بول كليه، وهوفر) بملكات الحرف العربي. وقول بيكاسو على وجه التحديد: (أردت الوصول إلى أقصى نقطة في فن الرسم، فوجدت أن الحرف العربي سبقني إليها، ومنذ أمد بعيد). ويؤكد الفنان الساعي أنه يؤمن بالحرف العربي كابن له، وهذا ما جعله يرى منه عالماً صعب المراس، لكنه عميق ولا متناه. فهو صعب المراس لمن لا يكف عن طلب المزيد والمغاير من هذا الحرف، خلافاً لما جرى عليه الآخرون في الأخذ منه، وهو عميق لأنه عالم متكامل قائم بذاته، وينبغي فهمه شكلاً وإمكانية ودلالة، لا على ما يحمل من معنى فقط. ويشير الفنان خالد الساعي إلى أن الحرف العربي بناء وهندسة روحانية، كما حلل الكثيرون شكل البسملة الطويلة بخط الثلث، فهي تشبه المسجد بمئذنته وقبته وصحنه والطريق المؤدية إليه التي تتماهي بالشخص الذي يقف على ناصية الباء، ليأخذ السين ويدخل الميم (بسم) فكل مقام موسيقي، يوازيه نوع من أنواع الخط العربي. مقام الراست يقابل خطا ديوانيا جليا، ومقام الحجاز يقابل خط التعليق الفارسي ... إلخ.
ويستعيد الفنان خالد الساعي قول الشاعر الفرنسي المعاصر (برنار نويل): ما من لغة تملك خطاً تشكيلياً، يرتبط المعنى بالشكل فيه كاللغة العربية. الغنى الذي تم للحرف العربي جعله جسداً يتلون ويتشكل بإمكانية لا متناهية.
فكلمة (حجر) التي يتحدث عنها (أوكتافيوث) بل يكررها في شعره، تتحول إلى ماء وسيل، وتتبرعم اخضراراً، وتنزل رجيماً. وبالمقابل بالحرف العربي، يمكنها حسب إيقاعها، وحسب دلالتها، أن تتقمص المعنى، وبالنتيجة لابد أن يلتقي المعنى مع شكله ويستدل عليه ضمن هذه المنظومة اللا نهائية من الأشكال، وكل ذلك يتوقف على رهافة المبدع وحذاقته.
يقول الفنان خالد الساعي انه يفر بنفسه إلى أخرها، ساحباً إياها إلى بدائيتها وعذريتها التي تنفر من تراكم الصناعة البشريّة، وليست المسألة بالنسبة له، عشق للطبيعة بمفردها، بل مُضافاً إليها الإنسان:
جوهرها وقيمتها. وأعماله الفنيّة الحروفيّة، لا تخلو من حضور نفس الإنسان وشخصه أحياناً، لكن كما يراه مناسباً، ويبدو أنه يجنح إلى السكينة، ولا ينفك عن تهذيب الألوان والحرف حتى تبدو كالحقل الذي تمر عليه النسمات.
كما تعود وتعبث به الرياح. ويؤكد الفنان الساعي أنه أحياناً يحاول أن يتخلص من حاله، ليتيح لنفسه تلوناً أكثر، ليكتشف وعورة النفس، على غرار ما لمس منها من حلم وصفاء، ويخشى ألا يكون إلا هو، لأن الآن وحدها، بغزارتها، تعني له الموت.
ويشير الفنان خالد السباعي إلى أن الخطاط يمر بمرحلة طويلة من التدريب، حتى ينفتح له الخط، وكأنه يُشرق من داخله، هندسية روحانية، وقد يفشل ولا يوفق أحياناً، لعدم جلاء أفق الخط له، وهذا له علاقة بحالة الصفاء الداخلية. أجمل الأعمال كُتبت بعاطفة ساخنة مباشرة، وهذا يُدعى بروحانية الخط الممتلئ بالتعبير.
د. محمود شاهين

