«فإنه لما فسدت المعايير واختلت الموازين، وضاع الحق بين الناس، فوصفوا الإسلام بتهم هو منها براء، وافتروا عليه بأحاديث الإفك والبهتان، ونسبوا إليه أسباب تخلف المسلمين وتأخرهم، كان لزاماً على كل مسلم غيور ـ فضلاً عن العلماء ـ أن يسارع إلى توضيح الحقيقة وإبانتها دفاعاً عن الإسلام».
هكذا يؤكد د. محمود امبابي وكيل الأزهر الشريف السابق، الدافع وراء تأليف كتاب يحمل عنوان «هذه حضارة الإسلام»، موضحاً أنه تقدم بهذا الكتاب بعد أن زاد الهجوم على الإسلام، لكي يبين فيه لأنواع الحضارة الإسلامية، وليعرف بمصادر هذه الحضارة متناولاً في ذلك المسلك قضية الحرب في الإسلام وعلاقة العقيدة الإسلامية بالإرهاب، وكذلك حقوق الإنسان في الإسلام ووثيقة حقوقه.
يقع كتاب «هذه حضارة الإسلام» الصادر ضمن سلسلة البحوث الإسلامية عن مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف في 282 صفحة من القطع الصغير، ويقدم مؤلفه من خلال صفحاته فكرة الحضارات في هذا العصر وخاصة الحضارة الإسلامية ويحاول الإجابة عن التساؤل الذي مفاده: ولماذا الحضارة الإسلامية بالذات؟
موضحاً حقيقة الحرب في الإسلام، وعلاقة الإسلام بالإرهاب، وحقوق الإنسان في الإسلام مذيلاً الكتاب بوثائق حقوق الإنسان الصادرة عن مختلف الجهات ليبين من خلالها أن الإسلام سباق في هذا الإطار.
يعرف د. امبابي في الفصل الأول الحضارة الإسلامية بأنها نتاج لتفاعل ثقافات الشعوب، التي دخلت في الإسلام، سواء إيماناً وتصديقاً واعتقاداً أو انتماء وولاء وانتساباً، وهى خلاصة لتلاقح هذه الثقافات والحضارات التي كانت قائمة في المناطق التي وصلت إليها الفتوحات الإسلامية لانصهارها في بوتقة المبادئ والقيم والمثل، التي جاء بها الإسلام هداية للناس كافة.
ومن ثم فالحضارة الإسلامية نوعان، أولهما: حضارة إسلامية أصيلة وتسمى حضارة الخلق والإبداع، وقد كان الإسلام مصدرها الوحيد وعرفها العالم لأول مرة عن طريق الإسلام، وثانيهما: تلك الحضارة التي قام بها المسلمون في الأمور التجريبية امتداداً وتحسينا، كما عرضها الفكر البشرى من قبل، وتسمى حضارة البعث والإحياء.
إرث مشترك ويخلص من خلال تعريفه الجامع الشامل العميق إلى أن هذه الحضارة إرث مشترك بين جميع الشعوب والأمم التي انضوت تحت لواء الإسلام.
وشاركت في بناء هذه الحضارة، وأسهمت في عطائها، وهي الشعوب والأمم التي كونت وشائج الأمة الإسلامية ونسيجها المحكم، فليست حضارة الإسلام حضارة جنس معين، فتكون بذلك حضارة قومية تنتمي إلى قوم مخصوصين، ولكنها حضارة جامعة شاملة للأجناس والقوميات جميعاً التي كان لها نصيب في قيام هذه الحضارة، ودورها في ازدهارها وتألقها، وفي امتداد تأثيرها ونفوذها إلى العالم الذي كان معروفاً خلال القرون التي سطع فيها نجمها واتبع إشعاعها وامتد نفوذها.
ويؤكد المؤلف خلال هذا الفصل أن التاريخ الإنساني ما هو إلا تاريخ الحضارات، ومن ثم لا يمكن فهم أو تفسير تطور البشرية دون الإقرار بهذه الفرضية، وتصدق هذه الفرضية على أجيال متعاقبة من الحضارات منذ الحضارات الفرعونية والسومرية والصينية، ومروراً بحضارات بلاد الرافدين والحضارتين الإغريقية والرومانية، ثم الحضارة الإسلامية والهندية وصولاً إلى الحضارة الغربية الحديثة.
مشيراً إلى أنه عبر التاريخ مثلت الحضارات مرجعيات الهوية التي يعرف بها البشر أنفسهم، أي أنهم رأوا في الانتماء الحضاري مستوى يفوق الانتماء الوطني أو القومي أو اللغوي أو العرقي أو غير ذلك، ونتيجة لذلك فإن أسباب نشأة وصعود الحضارات ثم انحدارها وسقوطها لم تكن محمل دراسة المعنيين بها من تخصصات مختلفة، تراوحت بين المؤرخين .
كما هو متوقع فحسب، لكنها شملت أيضاً علماء اجتماع وآخرين متخصصين في علم أصول الإنسان وعلوم الأجناس وفلاسفة ومنظرين سياسيين، وضمت هذه القائمة الكبيرة أسماء لها وزنها في تاريخ البشرية وعلومها، مثل: أوزوالد سبنجلر، أرنولد توبينبى، فاكس فيبر، إيميل دوركايم، أمانويل الدشتاين، وفيليب مرنانديز.
ويشير د. امبابي في ذات الفصل إلى أن الحضارات الإنسانية تتصف بالديناميكية، حيث تنمو وتسقط، ونظرية الدورات الحضارية هي إحدى النظريات، التي قال بها كثير من فلاسفة التاريخ، وكان رائدهم في القول بها «ابن خلدون».
والتي تقوم على القول بأن التاريخ يعيد نفسه في دورات حضارية، وليس بالضرورة أن تتشابه تلك الدورات في الشكل والمظهر أو التفكير والثقافة، وإن كان يجري على كل منها الصعود والهبوط والانتكاس والتقدم.
وقد خرج «ابن خلدون» بتصور أن الحضارات تتعاقب في الأمم على أربعة أطوار وهي: طور البداوة ثم التحضر، الذي يتبعه الترف ثم التدهور، وفي هذا الإطار يذكر كل الحضارات الكبرى الموجودة على الساحة العالمية حتى الآن وذلك بحسب التدرج التاريخي لنشأة هذه الحضارات وهي:
الحضارة الصينية ثم الحضارة اليابانية ثم الحضارة الهندية ثم الحضارة الإسلامية ثم الحضارة الأرثوذكسية ثم الحضارة الغربية ثم حضارة أميركا اللاتينية ثم الحضارة الأفريقية تلك التي تتعرض لكثير من الجدل بشأن جدية وجودها من عدمه.
وفى فصل الكتاب الثاني يتناول المؤلف شخصية مؤسس هذه الحضارة الإسلامية وهو بلا شك النبي الخاتم ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يعرض لموعده ونشأته ونزول الوحي ورحلته مع تأسيس هذه الحضارة تلك التي استمرت طويلاً ودمرت بجليل الأعمال وعظيم الأحداث، مشيراً في هذا الصدد إلى غزواته وحروبه وهجرته الأولى والثانية والتفاف المسلمين حوله لتأسيس دولة الإسلام، التي انتشرت بعد ذلك على يد خلفاء المسلمين.
ويذكر د. امبابي في هذا الفصل أن الله تعالى حبا النبي المصطفى بصفات جليلة جعلت كل من يعرفه يحبه ويقترب منه ويضحي بكل غال ونفيس في سبيل تلبية دعوته والاستجابة لمطالبة أوامره، ومن ثم كانت الشخصية المحمدية التي رباها الله تعالى، فأحسن تربيتها من أهم مقومات قيام وانتشار هذه الحضارة بشكل أشار به كل المؤرخين فيما بعد.
حيث كان صلى الله عليه وسلم يتسم بالعفو عند الخصام والتواضع في المعاملة والرفق مع الصغير والكبير في المعاملة والرحمة التي لا تخلو من الحكومة الإلهية بالإضافة إلى سعة الصدر والأفق وحب الأمة والكرم، الذي شجع الآخرين على الإنفاق بسخاء في سبيل إعلاء كلمة الله، وعراقة الأصل، وهذا كله دفع الصحابة إلى أن يجلوه ويقدروه ويحرصوا على تنفيذ أوامره.
مقومات الحضارة
وتحت عنوان «أسس الحضارة الإسلامية» يأتي الفصل الثالث من الكتاب ليناقش المقومات التي احتاجها العرب ليبعثوا مثل هذه الحضارة، تلك المقومات التي تجلت في الإسلام وحده الذي كان وراء هذا البعث العربي والإعجاز الحضاري الذي حققه العرب.
حيث كان العرب في هذا الوقت الذي نزلت فيه الرسالة المحمدية في حاجة إلى عقيدة إلهية واحدة لتكون مصدر التجمع والتصور، ومنبع الفكر ومنهج الحياة مؤثرة في المبادئ والشرائع والأنظمة التي تنظم المجتمع أفراداً أو جماعات مع نظام مؤثر في الأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين، التي تسود المجتمع، وتؤلف ملامحه على سيادة القيم الإنسانية واستملاء الإنسان في العقيدة الإسلامية والنظام الاجتماعي الإسلامي.
ويؤكد المؤلف في هذا الفصل أن الحضارة الإسلامية قامت على أسس تتمثل في تلك العقيدة التي تنظم صورة الإنسان بالله تعالى وتعطيه قيماً معينة، وشريعة تنظم الحياة الاجتماعية حسب هداية الله تعالى، ومن ثم كانت هذه العقيدة القائمة على التوحيد لها معطيات كانت وراء ما حققته الحضارة الإسلامية من سمو وإعجاز أدهش العالم.
ويأتي الأساس الثاني المتمثل في النظام الاجتماعي المتكامل الذي جاء به الإسلام، وصنع به الحياة الإسلامية، وهو نظام رباني اختاره الله تعالى للبشرية ـ لينظموا حياتهم عليه، ويقوم هذا النظام على المساواة بين البشر والعدالة المطلقة والحرية في الاعتقاد والتفكير ويقول كذلك يقوم هذا النظام الاجتماعي على الأخوة الإنسانية والأخلاق والفضائل.
مشروعية الحرب
وينتقل المؤلف إلى فصل الكتاب الرابع «الحرب في الإسلام» ليخصص للوقوف على مشروعية الحرب في الإسلام رداً على الدعاوى التي تتهم الإسلام وحضارته بالعنف والتطرف، ليؤكد أن الإسلام جاء ليكون رسالة عالمية .
ورغم ذلك ينهى عن الإكراه في الدين، إلا أن الحرب جاءت لتكون وسيلة للدفاع وليس أصلاً تستخدم لنشر هذه الدعوة، فالحرب لا يمكن أن تكون وسيلة في الإسلام لحمل الناس على الإيمان به، لأن الإقناع الصادق القائم على الوجدان.
والبرهان عماد اليقين الصادق، ولا يتسنى لأية قوة في الأرض أن تفرض على إنسان عقيدة يأباها قلبه وينفر منها عقله، ولكن الحرب جاءت من أجل حماية الدعوة من والمفسدين، فالجهاد في الإسلام جاء من أجل حماية التبليغ فمن شاء بعد ذلك فليؤمن، ومن شاء فليكفر.
