على الرغم من أن الاعترافات الغربية بفضل الحضارة الإسلامية أمر واقع وكثيراً ما ألفت الكتب والأبحاث في هذا المنوال، إلا أن مختلف وسائل الإعلام الغربية والصهيونية المعروف عنها التحيز استطاعت بفضل اتهاماتها المتكررة للإسلام بالعنصرية .

وعدم احترام حقوق الإنسان أن تشكل صورة مغايرة للإسلام والمسلمين في مخيلة العقلية الغربية أو الفكر الجمعي الغربي، تجعل من الإسلام بالنسبة للغرب هو العدو القادم بلا منافس، خاصة أن دروس التاريخ أعطت الغربيين انطباعاً بأن الإسلام يهدد وجودهم، وذلك على عكس الفكر الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية الذي يجعل من مسألة التعايش السلمي مع الآخر أمراً واجبا، فقيمه الأساسية هي الحق والعدل والأخلاق الحسنة. بالإضافة إلى المساواة بين بني البشر أيا كانت ديانتهم، وهنا يثار تساؤل مفاده، هل من الممكن أن تواجه الحضارة الإسلامية هذا التشويه المقصود لتغيير كل ما هو سائد لإعادة القوة والمجد للمسلمين؟ طرحنا هذا السؤال على عدد من المفكرين وعلماء الإسلام، فكان هذا التحقيق:

يقول د. سعد الحلواني أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر: إن الحضارة الإسلامية هي ما قدمه الإسلام للمجتمع البشري في مآثر وأفضال، وأن الحضارة الإسلامية منبعها القرآن الكريم، والسنة، ومن ذلك فالإسلام قدم الحضارة الأصيلة - أي التي جاء بها الإسلام ولم تكن معروفة قبل الإسلام، وكذلك الرأي الإسلامي في السياسة، والرأي الإسلامي في الاقتصاد، ورأي الإسلام في التربية والتعليم والعلاقات الدولية.

وعن القول بتفوق الحضارة الغربية على الحضارة الإسلامية وفي الإدعاءات التي روجتها وسائل الإعلام الغربية مؤخرا قال د. الحلواني إن الحضارة الإسلامية انتقلت من الأندلس إلى أوروبا وأيقظتها من ثباتها سواء في ذلك الحضارة الفكرية أو الحضارة العمرانية.

ومن ذلك فقد انتقلت الحضارة الإسلامية عن طريق المدجنين، وهم المسلمون الذين كانوا يعيشون في كنف الممالك المسيحية قبل سقوط غرناطة وعن طريق المستعربين، وهم المسيحيون الذين كانوا يعيشون في كنف الحكم الإسلامي، وظلوا هم وأولادهم مصابيح هدى لأوروبا بعد انتهاء ملك المسلمين، وكذلك عن طريق الموريسكيين، وهم المسلمون الذين أرغموا على ترك الإسلام أو على الأقل التظاهر بذلك بعد سقوط غرناطة.

ولقد اعترف الباحثون الأوروبيون بانتفاع أوروبا بحضارة المسلمين، فلو أن الأقدار شاءت أن تتغلغل الحضارة العربية في أوروبا حتى تشملها كلها لتغير وجه التاريخ، ولكان للإنسان بفضل المبادئ الإسلامية شأن آخر.

أعتز بانتمائي للإسلام

أما المفكر الإسلامي د. مصطفى الشكعة فيقول: على المسلمين جميعا أن يعتزوا بانتمائهم لحضارة الإسلام وعطائها الحضاري، ورغم التوعكات والأزمات الحضارية التي تمر بنا من آن لآخر.

وأضاف إن الإسلام بخير وليس له قضية، وإنما القضية قضية السلوك الإسلامي، ومدى الالتحام بين القيم والمثل الإسلامية، وبين هذا المسلم الذي يمثل هذه القيم في القرن الواحد والعشرين، فالقضية أزمة سلوكية وليست أزمة عضوية، ومن المعروف أن بعض المناطق بالعالم تشهد مواجهات، وكوارث.

كما حدث في التفجيرات الأميركية الأخيرة، ويحاول البعض أن يطرح الإسلام كسبب لهذه الأحداث، ولكنها الكراهية من بعض أتباع الديانات الأخرى، بل هو دين السماحة والرحمة.

وهو بريء من افتعال المشكلات بين الناس، ولكن غير المسلمين يتربصون بالمسلم في كل مكان وبأساليب عديدة، والمسلم يتدافع حتى يتسنى له أن يعيش في هذا العصر ويستعيد - ولو نسبيا المكانة التي كانت له، فإن كان البعض ما يذكر الإسلام إلا وتذكر المشاكل والصراعات الدموية، فهذا فيه نوع من المبالغة فهم يحاولون وضع المسلم في موضع الاستبعاد والتهميش.

ويشير د. الشكعة إلى أن الإسلام في القرن الواحد والعشرين سيكون له وضع في حالة ما إذا صلح حال المسلمين وأدركوا ما بأيديهم من دستور.

دين دعوة وحضارة

الإسلام كان ومنذ أن أشرق دين دعوة وتبليغ، وفي ظلال الدعوة المستمرة والتبليغ القائم. تمكن الإسلام من نشر الطابع الحضاري كعقيدة وحياة.. وأن يصبح في أقل من ربع قرن مقوما أساسيا من مقومات الحضارة الإنسانية، هكذا يؤكد د. عبد الصبور مرزوق نائب رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، موضحا أن الإسلام منذ ظهوره كان دين يسر غير معقد ولا مركب في عقيدته ونظمه وتعاليمه.

كما كان دينا مباشرا يتصل فيه الإنسان بالخالق سبحانه وتعالى دون وساطة، قال تعالى (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب) وقد لا يجد الباحثون في العقائد عقيدة تطلب من الإنسان شهادة أبسط من شهادة الإسلام على عمقها وعظمتها (لا إله إلا الله محمد رسول الله) عبارة سهلة رائعة تقف بالإنسان على عتبة الإسلام وتدخل به وهو مسلح بالحق والعدل والاطمئنان والصدق، وكانت القاعدة الثابتة لدى من يبشر بالإسلام أن الدين يسر ولا عسر.. ومن هنا كان الاطمئنان الروحي والفكري أول ما يستشعره من يدخل في دين الله.

ويضاف إلى ذلك أن القرآن الكريم ذاته كان وسيظل أعظم كتاب عرفته الإنسانية في تاريخها الممتد الطويل فقد تضمن القواعد الكفيلة بقيام المجتمع الإنساني السليم الذي تنشده الأمة..

حيث تجد فيه مبتغاها من التشريعات الفردية وتجد فيه كل ما تحتاج إليه في حياتها العامة والخاصة، ومع العوامل السابقة هناك اللغة العربية التي تمثل دعامة من دعائم الحضارة الإسلامية، وذلك لأنها أعرق اللغات منبتا، وأعزها جانبا، وأقواها جلادة، وأغزرها جانبا، وأدقها تصويرا لما يقع تحت الحس، وتعبيرا عما يجول في النفس، وكذلك هناك المقدمات التاريخية والبشرية التي تتصل بالعصر الذي ظهر فيه الإسلام.

وأكد د. مرزوق أن جميع هذه العوامل كانت قوة دفع للفكر الإسلامي، وما اتصل به من حضارة، ومن هنا انطوى التفاعل الإسلامي على قوة غلبت كل التحديات الجاهلية، فانتشر طابع الحضارة الإسلامية بفاعلية لم يعرف في التاريخ الإنساني لها مثيل.. وأوضح أنه على مدى التاريخ تنوعت السلالات التي دخلت في الإسلام ثم هناك ظاهرة أخرى ترتبت على كل هذه الجوانب، والعوامل، وهي ظاهرة الاتصال والاستمرار الزمني في الحضارة الإسلامية.

وأشار د. مرزوق إلى أن الحضارة الإسلامية في نظام عقيدتها تقوم على توحيد الله وإفراده بالعبادة والتمسك بما شرع من آداب وتعاليم وفي نظامها السياسي تقوم على الشورى والنزول على رأي الجماعة والمساواة بين الناس واحترام حقوق الإنسان.

وفي نظامها الخلقي تقوم على خلوص النية ونقاء الضمير والتمسك بالحق والعدل والصدق والسلوك المستقيم، والالتزام بالآداب الفردية والاجتماعية التي تسير بالإنسان نحو الكمال، وفي نظامها التشريعي تقوم على أصول رئيسية تمثلت في ثروة من الفقه الإسلامي، تجلت فيها عبقرية الحضارة الإسلامية.

منهج إسلامي أصيل

ويرى د. عبد الفتاح الشيخ رئيس جامعة الأزهر الأسبق أن العودة إلى المنهج الإسلامي الأصيل في مقدمة الأسباب التي تمكننا من امتلاك التقدم والنهوض من جديد، فهو الذي يصحح كثيرا من الأوضاع الاجتماعية التي دفعت إليها الحضارة الغربية من حيث التطلع إلى المادة والترف والتماس مصادر الحرام والنزوع إلى الإسراف في المتعة المادية، وتجاهل الأخطار المحدقة التي تعمل على احتواء المسلمين ومحاصرتهم والحيلولة دون تمكنهم من امتلاك إرادتهم وبناء قوة اقتصادية تكفل لهم استغلال مواردهم، ولا يتأتى هذا إلا بالعمل على إقامة الوحدة الجامعة بين كل عناصر الأمة الإسلامية.

ويؤكد د. الشيخ أن الأديان كلها جاءت قبل الإسلام تمهيدا له، فهو يمثل عصر رشد الإنسانية، حيث جاء الإسلام حدا فاصلا بين عصر وعصر، فجاء الإسلام بالرحمة والإخاء البشري، والسماحة والانفتاح على العصر وتقبل كل العناصر والأديان في نطاقه.. حيث اصطفى الإسلام خلاصة الدين الرباني المنزل ليشكل ثقافة عالمية خالصة..

ومن هنا فإن مرحلة الضعف والتخلف التي يمر بها العالم الإسلامي هي مرحلة مؤقتة وليست تطورا طبيعيا والدليل على ذلك أن الأمة الإسلامية قد واجهت في تاريخها أزمات وتحديات متعددة لكنها انتصرت عليها، وواصلت مسيرتها في تقديم العطاء الحضاري الذي دفع مسيرة التقدم العالمي في كل المجالات.

اتهامات باطلة

ويؤكد د. منيع عبد الحليم محمود عميد كلية أصول الدين بجامعة الأزهر سابقا أن السبيل الوحيد لمواجهة هذا السيل الجارف من الاتهامات الغربية لكل ما هو مسلم التسلح بالعلم والسعي الجاد لامتلاك عناصر القوة، وذلك من خلال اتباع تعاليم الدين الإسلامي في كل مناحي الحياة، تلك التعاليم التي تعد خير ضمانة للغلبة والنصر.

واثبات القدرة على عكس كل ما يقال ويعلن الإعلام الغربي المدعوم باللوبي الإعلامي الصهيوني، الذي يسعى بجد إلى تزييف الحقائق وقلب موازين العدل والأنصاف وإظهار المسلم على أنه عدو التحضر والمدنية الحديثة التي تحسن توظيف العلوم الحديثة، وغير ذلك من الأفكار التي لا أساس إسلاميا لها.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية