من منا، كان معنياً بمطالعة كتب عقائد أهل السنة والسلف، ثم لم يسمع عن هذا الإمام الهمام؟! إنه ألف كتابه الموسوم باسمه (العقيدة السلفية التي ألفها الإمام الطحاوي)، والتي يستفيد منها الصغير والكبير، وكان نعمة لمن اقتناه، فربما كفاه المؤنة وأغناه عن غيره، وحفظ له فكره وخاطره من الحيرة والشتات..!
إنه الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمى الأزدي الحجري المصري الطحاوي، نسبة إلى قرية صغيرة بصعيد مصر، وهو فقيه حنفي له قدمه الراسخة، في الفقه الحنفي، وصاحب مصنفات غزيرة العلم، وهو ابن أخت المزني، ولد في 229ه، وتوفي في مستهل ذي القعدة من عام 321هـ عن عمر يناهز الثانية والتسعين..!
ذكر ابن خلكان أن سبب انتقاله إلى مذهب أبي حنيفة ورجوعه عن مذهب خاله أنه قال له يوماً: (والله لا يجيء منك شيء، ـ أي لا ينتظر منك شيء ذو قيمة ـ فغضب وتركه واشتغل على أبي جعفر بن أبي عمران الحنفي، حتى برع وفاق أهل زمانه، وصنف كتباً كثيرة.. منها أحكام القرآن، واختلاف العلماء ومعاني الآثار، والتاريخ الكبير، في الشروط، وكان يقول: رحم الله المزني، لو كان حياً لكفر عن يمينه ـ أي انه اكتشف أنه أصبح يؤلف شيئاً مفيداً، وأثمر فقهاً واجتهاداً، رحمه الله.
جاء الإمام الطحاوي إلى مصر لطلب العلم، واشتغل به عند خاله أبي إبراهيم المزني الشافعي من أجل تلاميذ الإمام الشافعي. قال ياقوت الرومي الحموي في معجم البلدان قال الطحاوي: أومن كتبت عنه المزني، وأخذت بقول الشافعي فلما كان بعد سنين قدم إلينا أحمد بن أبي عمران قاضياً على مصر فصحبته وأخذت بقوله وكان يتفقه على مذهب الكوفيين، وتركت قولي الأول، انتهى.
وهكذا قال ابن بدران في تهذيب تاريخ ابن عساكر عن الطحاوي: وقال اليافعي في مرآة الجنان، وذكر أبو علي الخليلي في كتاب الإرشاد في ترجمة المزني أن الطحاوي كان ابن أخت المزني، وأن محمد بن أحمد الشروطي قال: قلت للطحاوي لم خالفت خالك، واخترت مذهب أبي حنيفة، فقال: لأني كنت أرى خالي يديم النظر في كتب أبي حنيفة.. فلذلك انتقلت إليه... انتهى!
وهكذا ذكر ابن خلكان في وفيات الأعيان عن أبي يعلى الخليلي نفس اللفظ..!
وهكذا أيضاً ذكر العلامة الكوثري باختلاف يسير..!
غير أن البعض الآخر، كأبي عبدالله الدامغاني، وابن بدران، وابن حجر العسقلاني، ذكروا الرواية الثانية، التي تقول إن المزني تحدث أمامه، فمرت أمامه مسألة، فجعل يشرحها والطحاوي لا يفهم، فغضب المزني، وقال:
والله لا يأتي منك شيء، فأحرج واستفز، وخرج من عنده راغباً عن مذهب الشافعي كلية، إلى مذهب أبي حنيفة، فلما كبر وصار يفتي ويجتهد، أصبح كلما مر على قبر المزني خاله: قال: يرحمك الله يا أبا إبراهيم، أما لو كنت حياً، لكفرت عن يمينك..!
أما عن المناخ العلمي في مصر التي كان مقيماً بها، فقد كانت مصر محطة للمالكية، لأن عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى، أرسل إليها في خلافته نافعاً، ليعلم أهلها السنن، فأقام بها مدة، كما ذكر السيوطي في حسن المحاضرة، عن الذهبي ونافع مولى ابن عمر خدمه ثلاثين سنة كما في تذكرة الحفاظ..
وذكر السيوطي ليثا فيمن كان بمصر من الأئمة المجتهدين، وذكر الإمام الشافعي: كان الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه..، وفي رواية تهذيب التهذيب: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وفي رواية أخرى: الليث كان أتبع للأثر من مالك..!
والشواهد كثيرة على ازدهار الحياة العلمية في مصر، لاسيما بعد أن أتى إليها الشافعي وأقام بها بمسجد عمرو بن العاص، وأقبل عليه أهلها، فتحولوا إلى مذهبه..!
ونعود إليِ الطحاوي وآثاره وطوافه في سبيل العلم، قال أبو سعيد بن يونس في تاريخ مصر: تفقه أولاً على خاله ـ أبي إبراهيم المزني ـ صاحب الشافعي، وسمع منه كتاب السنن روايته عن الشافعي وغير ذلك، سمع الحديث من أهل عصره، فلحق يونس بن عبدالأعلى، وهارون بن سعيد الإيلي، ومحمد بن عبدالله بن عبدالحكم، وبحر بن نصر وعيسى بن مثرود وغيرهم من أصحاب ابن عينية، وابن وهب، وهذه الطبقة.
وسمع الكثير أيضاً عن إبراهيم بن أبي داود الضريس وكان من الحفاظ المكثرين وأبي بكر بكار بن قتيبة القاضي وغيرهما، وخرج إلى الشام فسمع ببيت المقدس وغزة وعسقلان وتفقه بدمشق على القاضي أبي حازم واسمه عبدالحميد، ورجع إلى مصر في سنة تسع وستين ومئة وتقدم في العلم، وصنف التصانيف في اختلاف العلماء وفي الشروط، وفي معاني الآثار وأحكام القرآن ومشكل الآثار والعقيدة وغير ذلك..!
وفي لسان الميزان وابن بدران الدمشقي وابن عساكر ـ عن الطحاوي: سمع الحديث من جماعة كثيرة وسمع منه جماعة، وخرج إلى الشام سنة ثمان وستين ومئتين، فتفقه على أبي حازم، ولقد أنصف وأجاد الكوثري في قوله: من اطلع على تراجم شيوخ الطحاوي علم أن بينهم مصريين ومغاربة ويمنيين وبصريين وكوفيين وحجازيين وشاميين وخراسانيين ومن سائر الأقطار الإسلامية، فتلقى عنهم ما عندهم من الأخبار والآثار..!
أما تلاميذه، فقد تفحص الإمام محمد زهري النجار ما أثبته العلماء عن تلامذته، فعد أكثر من خمسين من الأعلام، وبعض هؤلاء التلاميذ هم من أكابر أئمة الأمة الأعلام في الحديث أو الفقه، أو روى عنهم أصحاب الكتب الستة، ومجرد نظرة على مقدمة تحقيق كتابه: (شرح معاني الآثار) لكافية للإحاطة بأسماء تلاميذه والتعرف عليهم، لتعلم أقدارهم العلمية وقدره هو في موازين الأئمة المتبوعين أصحاب الرأي والفقه، ممن ارتضاه لدينه وشريعته إماماً وفقيهاً مجتهداً منتسباً لمذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، غير أنه ليس من أهل التقليد الأعمى، وإنما هو مجتهد بصير بعلم ما يأتي وما يدع..!
وهذا الوزن العلمي لشخصية الطحاوي، كان محل ثناء العلماء عليه، أقدمين ومحدثين، إذ قال فيه ابن يونس: كان ثقة ثبتاً فقيهاً عاقلاً، لم يخلف مثله..!وقال الذهبي وابن خلكان وابن عساكر وابن بدران ومسلمة بن قاسم الأندلسي: كان ثقة جليل القدر، فقيه العقل، عالماً باختلاف العلماء بصيراً بالتصنيف، وكان يذهب مذهب أبي حنيفة..!
وقال ابن عبدالبر في جامع بيان العلم: كان من أعلم الناس بسير القوم وأخبارهم لأنه كوفي المذهب، وكان عالماً بجميع مذاهب الفقهاء رحمه الله. انتهى..!وقال السمعاني في كتاب الأنساب، وابن الجوزي في المنتظم: (كان ثبتاً فهماً فقيهاً عاقلاً)..!
وقال ابن كثير وابن الصلاح الصفدي واليافعي والسيوطي وابن العماد الحنبلي وابن تغري بردى وابن النديم والبدر العيني: مجمع على الطحاوي في ثقته وديانته وأمانته وفضيلته التامة ويده الطولى في الحديث وعلله وناسخه ومنسوخه ولم يخلفه في ذلك أحد، ولقد أثنى عليه كل من ذكره من أهل الحديث والتاريخ كالطبراني وأبي بكر والخطيب وأبي عبدالله الحميدي.
والحافظ ابن عساكر وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، ولا يشك عاقل منصف أن الطحاوي ثبت في استنباط الأحكام من القرآن ومن الأحاديث النبوية، وأقعد في الفقه من غيره، ممن عاصره سناً أو شاركه رواية من أصحاب الصحاح والسنن، لأن هذا إنما يظهر بالنظر في كلامه وكلامهم ومما يدل على ذلك ويقوي ما ادعيناه تصانيفه المفيدة الغزيرة في سائر الفنون من العلوم النقلية والعقلية.
وأما في رواية الحديث ومعرفة الرجال وكثرة الشيوخ فهو كما ترى إمام عظيم ثبت ثقة حجة كالبخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح والسنن، يدل على ذلك اتساع العلم واتساع روايته ومشاركته فيها أئمة الحديث المشهورين كما ذكرناهم..!
وروى ابن زولاق عن الطحاوي قوله: كان لمحمد بن عبدة القاضي مجلس للفقه عشية الخميس يحضره الفقهاء وأصحاب الحديث، فإذا فرغ وصلى المغرب انصرف الناس ولم يبق أحد، إلا من تكون له حاجة فيجلس فلما كان ليلة رأينا إلى جنب القاضي شيخاً عليه عمامة طويلة وله لحية حسنة لا نعرفه، فلما فرغ المجلس وصلى القاضي التفت فقال:
يتأخر أبو سعيد ـ يعني الفاريابي ـ، وأبو جعفر، وانصرف الناس، ثم قام يركع، فلما فرغ استند ونصبت بين يديه الشموع، ثم قال: خذوا في شيء، فقال ذلك الشيخ: إيش روى أبو عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أمه عن أبيه؟ فلم يقل أبو سعيد الفريابي شيئاً.. فقلت أنا:
حدثنا بكار بن قتيبة، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان عن عبدالأعلى الثعلبي عن أبي عبيدة بن عبدالله بن مسعود عن أمه عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله ليغار للمؤمن فليغر) قال: فقال لي ذلك الشيخ: أتدري ما تتكلم به، فقلت له: إيش الخبر؟! فقال لي: رأيتك العشية مع الفقهاء في ميدانهم، ورأيتك الساعة في أصحاب الحديث في ميدانهم، وقل من يجمع ما بين الحالين، فقلت: هذا من فضل الله وإنعامه فأعجب القاضي في وصفه لي، ثم أخذنا في المذاكرة..!
وزيادة على هذا له منهج حكيم في ترجيح الروايات بعضها على بعض من غير اكتفاء بنقد رجال الأسانيد فقط وهو دراسة الأحكام المنصوصة وتبيين الأسس الجامعة لشتى الفروع من ذلك فإذا شذ الحكم المفهوم من رواية راوٍ بحكم مخالف لذلك لا يرفعه إلى درجة الاعتداد به مع هذه المخالفة الصارخة..!!
ونأتي إلى إسهامه في باب العقيدة، بالعقيدة السلفية التي ألفها ونسبت إلى اسمه، وسبب تسميتها بالسلفية تمييزاً لها عن عشرات العقائد التي نسبت إلى طوائف أخرى غير السلف والأصول السلفية فلقد ظهر في المناخ الإسلامي، الشيعة وفرقهم، والمعتزلة وفرقهم، والخوارج وفرقهم، ومن هنا فنسبة الطحاوي إلى السلف وهم أهل السنة، للتمييز والفرز.
وقد علمت نفور أهل السنة والسلف من علماء الكلام ومعطياتهم الكلامية والنظرية، واستدلالهم على عقائدهم، ولولا كثرة الكتب والرسائل المليئة بالشبه والاعتراضات والحجج الذي ألقى بها أهل الملل الأخرى، لما كان هناك من حاجة إلى وضع كتب في العقائد للمسلمين، لأن العقيدة الإسلامية واضحة البساطة، بعيدة عن التعقيد، قوامها القرآن والسنة، فعن أبي يوسف رحمه الله أنه قال لبشر المريسي ـ رأس المعتزلة ـ:
العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو العلم، وإذا الرجل رأساً في الكلام قيل زنديق، أو رمي بالزندقة، أراد بالجهل به عدم صحته، فإن ذلك علم نافع، أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره. فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله فيكون عليها بهذا الاعتبار. والله أعلم.
وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام.
وقال شعراً:
كل العلوم سوى القرآن مشغلةٌ
إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه، قال حدثنا
وما سوى ذاك وسواسُ الشياطين
فالعقيدة السلفية للطحاوي عقيدة سلفية بسيطة سهلة لا تعقيد فيها ولا غموض، استدل لكل مسائلها بدليل من براهين الكتاب والسنة، وقيض الله لها من زادها يسراً بشرحها، رحمهما الله رحمة واسعة.