الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى الأسبق بالأزهر الشريف من الضالعين في العمل الدعوي الإسلامي، معروف عنه الجرأة والسعي وراء الوقوف على رؤى الإسلام في مختلف قضايا ومسائل الحياة اليومية، مساهماته في مجال الإفتاء كبيرة، وقياساته في إصدار الفتاوى والأحكام أمر يقدره الجميع.

ولأن العالم الإسلامي يشهد أحداثاً عظاماً كان لزاماً أن يكون حوارنا معه، ليؤكد رفضه لكل أشكال الظلم الممارس ضد الشعوب الإسلامية سواء من قبل إسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها من الغرب، مشيراً إلى كذب ما يعلنه الإعلام الغربي حول دموية الإسلام وعنفه، داعياً علماء الأمة إلى الوقوف في وجه هذه الحملات الإعلامية الغربية الساعية وراء تشويه صورة الإسلام في عيون من لا يعرفونه.ويضيف : إن الساحة الدعوة بحاجة ماسة إلى كل وسيلة نافعة يمكن أن يصل بها صوت الإسلام كتلك الفضائيات الدعوية المنتشرة، محذراً الدعاة من مغبة الوقوع في أخطاء متعلقة بقضية الإعجاز العلمي نتيجة حماسهم الزائد الذي قد يدفعهم إلى اختلاق النظريات، وفيما يلي نص الحوار الذي أجرته (وكالة الصحافة العربية):* يرى البعض أن الحرب الإسرائيلية التي تشن ضد الشعب اللبناني ماهي إلا تعبير صادق عن رغبة أميركية في إعادة تشكيل المنطقة العربية لاتقاء شر حركات التطرف الإسلامية التي تهددها.. فما قولك؟

- تعتقد الولايات المتحدة الأميركية خطأ أنها تستطيع أن تؤمن نفسها من تطرف الكارهين بقوة السلاح، ومن هذا المنطلق تشن حروبها سواء المباشرة أو غير المباشرة على شعوب العالم النامي لإضعافه وإسكاته وشغله بأمور داخلية تبعده عن التفكير في السبل الممكنة للانتقام من رموز الظلم والغطرسة التي تنشر الفساد في الأرض، إلا أن هذه السياسة لن تجدي بل ستساهم في زيادة شعور الكراهية بين شعوب الأرض شرقاً وغرباً ضد كل ما هو أميركي أو صهيوني، والدليل على ذلك تفشي مشاعر الحقد والكراهية ضد أميركا وإسرائيل في أوروبا ومناطق أميركا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى الكراهية العربية لهذه الكيانات الظالمة.

مشاعر كارهة

* كيف يكون التصرف الأميركي الأمثل حيال هذه المشاعر الكارهة المتصاعدة؟

- الظلم والبطش والغطرسة، سبل لا تتناسب مع هذا الوضع السائد، فالأمور تغيرت والظروف تبدلت، وبات التقارب والتحاور والتفاهم أمرا لا مناص منه لكي يسود الأمن والوئام بين شعوب العالم غربه وشرقه.

فالحرب أداة يجب أن تنبذ وتجنب في مثل هذه الأمور، فقيام إسرائيل بحروبها الظالمة، ضد الجيران أمر لن يجلب عليها سوى مزيد من الاضطراب وغياب الأمن، يجب أن يكون العدل أساس العلاقات القائمة بين الدول أقوياء وضعفاء.. أغنياء وفقراء.. فالقوة لن تكون حلاً، وإلا على المستضعفين أن يشكلون قوة تقف في وجه ظلم وغطرسة المحتل أيا كانت أهدافه التي يرمي إليها من جراء هذا الاحتلال.

* وماذا تقول في الموقف العربي تجاه هذا العدوان الإسرائيلي الغاشم؟

- للأسف لا يزال هناك قلة من العرب لا يؤمنون بنظرية المؤامرة التي تحكم تصرفات الجانب الإسرائيلي ومن ورائه الأميركي، ومن ثم تأتي تصرفاتهم داعية إلى ضبط النفس على الصعيد العربي، في الوقت الذي يجب أن تتوحد كلمة العرب والمسلمين على رأي واحد داعم للموقف اللبناني والفلسطيني المؤمن بحقوقه والساعي وراء سيادة وطنية كاملة على أرضه والرافض لشتى صور الاحتلال أو سياسات إملاء الشروط التي يتبعها الجانب الإسرائيلي، ومن هنا لا بديل عن الوقوف بجانب المقاومة اللبنانية والفلسطينية لإحقاق ونصرة الحق، وهذا ما يدعو إليه الإسلام.

* تزايدت في الآونة الأخيرة الحملة المدبرة من الإعلام الغربي والتي تربط بين الإسلام والإرهاب، في رأيكم كيف يمكن تصحيح هذه الصورة؟

- هؤلاء يسعون منذ قديم الأزل للنيل من الإسلام والمسلمين، ولكن الله لن يحقق لهم ما يرغبونه لأنه هو الذي يحفظ هذا الدين، والذين قرنوا الإسلام بالإرهاب يأتي من فهمهم الخاطئ لموضوع الجهاد في الإسلام، فالإسلام لم يدع أبداً للحرب إلا في حال الدفاع عن الحقوق وحماية الأرض والعرض..

وقد اشترط الإسلام في حال الرد على العدوان أن يكون بالمثل، ولا يمكن أبداً أن يكون ما يقوم به بعض المنتسبين اسما للإسلام هو انعكاس حقيقي لجوهر الإسلام، لأن الإسلام تبرأ من هؤلاء ومن قتل النفس بغير حق فقال تعالى «ومن قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً» هذه هي الصورة الحقيقية للإسلام والسلوك الطيب للمسلم..

ولكن خصوم الإسلام اعتمدوا على تجاوزات البعض واعتبروها ممثلة للموقف الإسلامي.. وفي رأيي أن منتهى الإرهاب هو ما تمارسه أميركا وإسرائيل ضد شعب العراق والشعب الفلسطيني المسلمين، حيث تستخدمان كامل ترساناتهما العسكرية ضد مدنيين أبرياء وأطفال وأجنة في أرحام أمهاتهم.

دراسة مستفيضة

* كيف يمكن لعلماء الأمة والدعاة النهوض بواجبهم لتوضيح جوهر وحقيقة الإسلام المفترى عليه ؟

- لن يتحقق ذلك إلا بدراسة مستفيضة لكل محاولات التشهير والتشويه، ومن وراءه ومن يموله وطريقته في عرض هذه التشويهات حتى يمكن الرد عليهم ومقارعة الحجة بالحجة والأدلة والبراهين، مستخدمين في ذلك نفس وسائلهم وتقنياتهم الحديثة وأن يكون هناك من الدعاة الإسلاميين جيلا يتفهم دور الدعوة وأصولها وقواعدها وأن يتخذ من رسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة في الدعوة، حتى يجد له آذاناً صاغية وقلوباً تسمع وتعقل وأعواناً لأن العقل الفطري مجبول على الإسلام والفطرة السليمة.

* وهل يمكن أن تلعب الفضائيات الإسلامية دوراً في هذا العمل ؟

- بلاشك فالساحة الدعوية بحاجة إلى كل وسيلة نافعة يمكن أن يصل منها صوت الإسلام وصوت الخير إلى الناس أجمعين.. ولم تترك الدعوة وسيلة من الوسائل دون الإفادة منها على مر الأزمنة والعصور مثل أنواع الفنون الأدبية كالشعر والخطابة والرسالة والمقالة.. كل ذلك استخدم لتوصيل التصور الإسلامي الصحيح إلى الناس فضلاً عن المساجد والمدارس والكتب ومجالس العلم والكتاتيب وغيرها..

فكيف يكون الأمر إذن إذا ما تعلق بوسائل هذا العصر المتطورة والقوية في توصيلها، والتي تمتلك من وسائل التأثير ما لا يخفى. وأرى أن الفضائيات ذات صفات خاصة متميزة لما فيها من مجال واسع للطرح المباشر المؤثر الذي تشترك فيه الحركة والكلمة والصورة وتلك وسائل جذب قوية للناس ونحن في أمس الحاجة إليها بل أعتقد أنها من ضروريات نشر الخير والدعوة إلى الله.

طريق الحكمة

* تعالت في الآونة الأخيرة الأصوات المنادية بصحوة إسلامية شاملة فما هي أسباب ذلك ؟

- الصحوة الإسلامية تعني تزايد الإحساس بوجوب العودة للإسلام عقيدة وشريعة نظاما وحكماً، وذلك راجع إلى أن معظم الدول الإسلامية لا تطبق الشريعة في العقوبات والمعاملات، هذا بجانب تفشي ظاهرة الغش والرشوة والمحسوبية، لذلك جاءت المطالبة بالصحوة الإسلامية .

والذين رفعوا هذا الشعار التزموا طريق الحكمة في الدعوة إلى الإسلام وتطبيق شرائع الله عز وجل، فالعودة إلى الإسلام والتمسك بمبادئه وتطبيق شرائعه الحل الوحيد الذي يعود بالمسلمين إلى سابق عهدهم أقوياء.. يدين لهم العالم كما كانوا في الماضي ويمنع كثيراً من السلبيات التي انتشرت في المجتمعات الإسلامية الآن.

* الإعجاز العلمي في القرآن الكريم ما هو دوره في خدمة الدعوة الإسلامية؟

- فما جاء به القرآن منذ 14 قرناً من الزمان يتوصل العلماء يوماً بعد يوم إلى حقيقة ما توصل إليه هذا الكتاب الذي يقول المولى عز وجل في حقه..

«ما فرطنا في الكتاب من شيء» ولكن المهمة الأساسية للقرآن الكريم هي الهداية وهو كتاب علمي يعلم الناس ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم وليس من مهمته أن يعلم الناس العلوم كالطب والهندسة والرياضة، بل هو يدعو الناس إلى التعلم والتفكر والتدبر، وأود أن أشير إلى أن حماس بعض الدعاة والباحثين لتحميل القرآن أكثر مما يحتمل..

قد يضر بخدمة هذا الدين والدعوة إليه، ولذلك فإنني أدعو الباحثين والمتخصصين في كل العلوم أن يتعاملوا مع القرآن الكريم بمزيد من الحيطة والحذر بعيداً عن الحماس الزائد الذي، قد يدفعهم إلى اختلاق نظريات علمية ونسبتها إلى القرآن، وفي ذلك خطورة كبيرة.. ولكن هذا جانب ومن جانبٍ آخر لا يعني أننا لسنا في حاجة إلى من يفسر لنا القرآن على ضوء المقررات العلمية.. ولا نستطيع أن نغفل دور الاعجاز القرآني في الدعوة الإسلامية.

جناح واحد

* وما ردكم على اتهام الغرب للمسلمين بالرجعية وربط ذلك بالإسلام؟

- حضارة الغرب لا تعترف بتعاليم الدين الإسلامي.. لأنها حلقت في السماء بجناح واحد مبتور هو جناح المادة ونسيت جناح الروح وهو الدين.. وهي بذلك لا توفر لأفرادها السعادة الكاملة، وقد تنبه بعض علمائهم إلى أن طغيان الماديات سينتهي بحضارة الغرب إلى الإفلاس والهلاك..

ولكن لابد أن نعترف أن لكل مجتمع إيجابياته وسلبياته والعلم في حاجة إلى بعضه البعض، ولا علاقة مطلقاً بين تخلف أمة وبين الدين، وإلا فبم تفسر تقدم اليابانيين والصينيين دون أن يعترفوا أصلاً بالدين، ونحن إذا ما نظرنا إلى الدين الإسلامي نجده الدين الوحيد الذي أعطى للعقل والتدبر والتفكر مساحة كبيرة من الحرية، وجعل من هذا العقل مناط التكليف، ويمكن تصحيح هذه العبارة بأن تخلف المسلمين كان نتيجة حتمية لبعدهم عن هذا الدين ومنهجه.

* قضية التجديد في الفكر الإسلامي مازالت تشغل مساحة كبيرة على الساحة الإسلامية في ظل طوفان العولمة.. فكيف ترى هذه القضية؟

- الإسلام دين مرن وهو صالح لكل زمان ومكان على عكس ما يتهمه به أعداؤه من التخلف والجمود.. ولكن يجب أن تعرف أن هناك قضايا في الإسلام لا يجوز الاقتراب منها ولا يصح الاجتهاد فيها، وهي التي ثبت فيها نص صريح من القرآن أو السنة، وهو ما يسمى بالأصول.. وهناك قضايا آخرى عديدة واكبت التطور العلمي السريع..

وهي من نتاج العقل كموضوع نقل الأعضاء والتعامل مع البنوك وما تقوم به حركات الجهاد في فلسطين والاستنساخ وغيرها من الأمور المستحدثة وباب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه في هذه الأمور ولكن بشروط محددة للمجتهد، فلا يمكن لأي أحد الخوض في هذه الموضوعات سوى الدارسين المتعمقين في مجال دينهم.

فتاوى وأحكام

* توليتم لفترة ليست بالقصيرة رئاسة لجنة الفتوى بالأزهر، ما حكم الدين في شهادات وفوائد صناديق التوفير وأيضا بعض الألعاب كالشطرنج وكرة القدم؟

- شهادات الاستثمار وفوائد صناديق التوفير مادامت محددة بفائدة فهي حرام لأنها تدخل في باب الربا، أما بالنسبة لبعض الألعاب كالشطرنج فبعض هذه الألعاب حرام لأنها تعتمد على الرهان والحظ.. كما أن بعضها فيه كلام بالحل وغيره إذا لم يرتبط بميسر أو قمار، وإلا كانت كلها حراما، وذلك للنص على الحرمة لقوله تعالى «إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون».

* هل للسحر تأثير على حياة الإنسان وهل يجوز الاستعانة بالسحرة لإبطال مفعوله؟

- السحر له تأثير على الإنسان، ولكن ذلك بإرادة الله سبحانه وتعالى، فيقول في سورة البقرة «فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله».. والحديث الشريف نهى عن اللجوء إلى السحرة ونصه «ليس منا من تطير أو تطير له أو سحر أسحر له» ونهى عن تعلم السحر ومزاولته، ونحن نحذر من الوقوع في شرك الدجالين الذين يدعون المعرفة وهم جاهلون.

* انتشرت في الآونة الأخيرة عمليات التجميل.. ما حكم الشرع فيها ؟

- التجميل إذا كان وقتياً أو خافياً أو قصد به غش فهو حرام، أما إذا كانت عمليات التجميل ظاهرة ولا يقصد بها الغش أو الإغراء فلا مانع منه.

* في ظل الثورة التكنولوجية الحديثة واكتشافات الأطباء لأشياء يزعمون أنها تطيل عمر الإنسان.. هل يتعارض ذلك مع قدر الله؟

- جاء في الحديث الشريف «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه» وهنا يتضح أن إطالة الأعمار لا تكون فقط بالمكتشفات الحديثة بل تكون بأعمال الخير، وصلة الرحم تطيل العمر..

وفسر بعض العلماء ذلك بالبركة، وفسره آخرون بإطالة العمر على الحقيقة، وهذا لا يتنافى مع قدر الله في تحديد الأعمار قبل خلق أصحابها لأن القدر المكتوب مقرون بالعمل، فالله سبحانه وتعالى علم أن فلانا سيصل رحمه لذلك جعل عمره طويلا فلا منافاة بين الأسباب وعلم الله فكلاهما مقدر ومعلوم عنده.

القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية: