على الرغم من أن الكثيرين من المعنيين بالعمارة في الإمارات يتطلعون إلى أن تشق لمحات من الرؤية الحداثية طريقها إلى العمارة في سياقها المسجدي في مدن الدولة أيضا، على نحو مانراها ماثلة بقوة في العديد من الإنشاءات والمشروعات في سياقات أخرى، إلا أن هناك من يتوقعون أن يمر وقت ليس بالقصير قبل أن يتحقق ذلك.
الإطار الذي يعيد طرح هذا النقاش من جديد بمزيد من الحيوية يتمثل في النهضة المباركة في العمران في سياقه المسجدي، وابرز ملامحه مسجد الشيخ زايد الجامع الكبير الذي ينتظر افتتاحه في رمضان من العام المقبل، ومجموعة المساجد التي تطل على بحيرات الشارقة، والمساجد التسعة والثلاثون التي أعلن عن الانطلاق في تشييدها تحت آفاق دبي في مستقبل نرجو ألا يكون بعيدا، وغير ذلك كثير.ربما يرجع السر في توقع ألا نرى لمحات من الرؤية الحداثية قريبا في مساجد الإمارات، في احد جوانبه، إلى الحضور القوي والمؤثر للتقاليد البصرية في السياق المسجدي التي غالبا ما تفرض استمرار هذه التقاليد أو استهامها أو استحضارها أو إعادة تفسيرها.
و من ناحية أخرى فإن انعكاس اللمحات الحداثية في العمارة في السياق المسجدي في أي بلد في العالم لا يأتي إلا ثمرة حوار طويل وسجال ونقاش أطول بين تيارات الفكر والثقافة في المجتمع، وهذا أمر يصعب القول انه قد تبلور في الإمارات في حدوده الدنيا.الأسباب كثيرة، وليس هنا مجال مناقشتها، وفي غضون ذلك نرى جهودا طيبة تثمر ظهور المساجد تحت آفاق الإمارات في إطار من الحوار المتواصل مع التقاليد البصرية التي انعقد الإجماع في العديد من الجماعات الإسلامية على أنها تقدم المفردات المعمارية للمسجد.
في إطار هذه الجهود افتتح مسجد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في دبا الفجيرة يوم الجمعة 12 رمضان 1421 الموافق 8 ديسمبر عام 2000. أول ما يلفت نظرنا في هذا المسجد هو انه يقدم إعادة تفسير باهرة حقا لقرون طويلة من الممارسات المعمارية في تقاليدها المملوكية.
حيث المآذن الأربع السامقة والقبة المرتفعة الحدوية المنورية التي تكسوها زخرفة متعرجة بديعة وكتلة بيت الصلاة الركينة كل ذلك لا يمكن إلا أن يردد أصداء الممارسات المعمارية البديعة التي تطل في أفق القاهرة، ربما ابتداء من مسجد السلطان حسن بالقلعة و صولا إلى مسجد صلاح الدين بالمنيل.
وما نراه هنا ليس استنساخا لتلك التقاليد البصرية وإنما هو قراءة أو إن شئت الدقة في إعادة تفسير تلك التقاليد ولإدراك ما يعنيه هذا دعنا نتأمل تلك المآذن السامقة التي تزين كل منها شرفتان تحفهما اعادة إنتاج مختلفة للمقرنصات، والمبخرة التي تعلو قمة كل مئذنة هي أكثر اتساقا مع المئذنة وتماهيا في كيانها هنا بكل المعايير.
عقود المداخل والأروقة المعمدة هنا أيضا تعكس اجتهادا في التعامل مع عمارة عريقة. ولاحظ أنه خلافا للتقاليد القاهرية فإن خارج المسجد يكتسي حلته الزخرفية المميزة التي تتكامل بالتوظيف البديع للتكسية بالحجر. المشروع الزخرفي داخل بيت الصلاة حضور بهي يتماهى مع هذا الإنشاء الباذخ، حيث يلتفت نظرنا إلى المحراب بقياسه الإنساني وحلته الخضراء ذات النقوش والزخارف المترفة وتلتقي في هذا المشروع حشوات الخط وتوظيف الخشب المتقوس والتعامل البارع مع الجص وغير ذلك كثير من ألوان الإبداع .


