ذكرنا أن الأقوياء هم الذين يحددون معنى العدالة، وأصبحت في عالمنا المعاصر، العمل بمقتضى مصلحة القوي، فهو الذي يضع القوانين السياسية والثقافية ويشرع للأمم الأمم المتحدة، ويصدر القرارات في مجلس الأمن، فهو يفرض القوانين التي تحقق مصلحته لا مصلحة الدول الصغرى.

في هذا العالم المضطرب، الذي انقلبت مفاهيمه ومعاييره نعاود طرح السؤال: أين الأخلاق الفاضلة، وأين المحبة البانية، وأين التعاون الذي يساعد على قيام المجتمعات، وأين المثل العليا، الحق والخير والجمال، التي تكلم عنها الفلاسفة وأفردوا لها دراسات موسعة عما ينبغي أن يكون عليه التفكير السليم والسلوك الصحيح؟

أين العدل الذي هو سنام الأمور، وميزان الأخلاق، وهذه القيم تعد قاسماً مشتركاً بين الأديان والحضارات، أي بين النقل والعقل، وتسألني بعد كل هذا أين العدالة المنشودة؟ حلم الإنسانية في يوم طيب، وسلام قائم، وحياة سعيدة للجميع؟

أقول كل ما في مستطاع الإنسان ومقدوره، أن يحقق قدراً من التوازن بين الأوامر الإلهية وأنانية الطاغية، وحبه للعظمة الفارغة، حينما ينصاع إلى مقررات الأديان ومبادئ الأخلاق ومعطيات العقل، ربما يستطيع أن يحقق هذا القدر الضئيل، وتعتدل كفتا الميزان إلى حد ما، أما العدالة الحقيقية فهي في السماء عند رب العالمين.

ولا تنتظر من البشر عدلاً ولا رحمة ولا استقامة في موازين الحياة، أو تعديلاً في الإرادة الخيرة والأمر المطلق الذي تكلم عنه الفلاسفة. أو استجابة من الظالم الطاغي فرعون العصر لمطالب الإنسانية في حياة كريمة.

إذا اقتضت الحكمة الإلهية البالغة أن تكون الدنيا مزيجاً من اللذة والألم، والسعادة والشقاء، ممزوجة عافيتها ببلائها، ومن المؤكد أن يظل الصراع مستمراً بين الحق والباطل، والصدق والكذب والعدل والظلم، وبالجملة بين الخير والشر.

العدالة الحقيقية التي تكلمت عنها الأديان في السماء عند رب العالمين حينما تنصب الموازين ونتقدم نقف أمام رب العالمين، فيلقى الطيب جزاءه من الخير، ويلقى الظالم جزاءه من الشر ويقول لنا المولى: «كل نفس بما كسبت رهينة» «فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره».

هناك في السماء عند عالم الخير والنور والسلام، حينما نسمع أصوات أجنحة الملائكة وهي تحف حول العرش تسبح بحمد ربها أحكم الحاكمين، نقف جميعاً، أقوياء وضعفاء مستكبرين وأذلاء، ملوك وصعاليك، أمراء وحقراء، أغنياء وفقراء، (وهي كلها مسميات نابعة من عالم الشهادة) ساعتها تتجلى أمامنا معنى العدالة الإلهية.

ويتميز الحق من الباطل، والخطأ من الصواب، والصالح من الطالح، ولا تسل عن سعادة السعداء والفضلاء والكرماء، حين يتطابق الإيمان الغيبي والحقيقة العيانية، ليس فهذا وحسب، بل ترد الحقوق إلى أصحابها ويقتص من الظلمة الجبابرة، ويقر عين الأتقياء الأنقياء الصالحين المؤمنين.