روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها ـ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، قال: «من هذه؟» قالت: هذه فلانة ـ تذكر من صلاتها ـ قال: «مه عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا» قالت: وكان أحب الدين إليه ماداوم صاحبه عليه.

من أهم القيم الأخلاقية التي ينبغي ان يتحلى بها المؤمن، الدأب والمثابرة، فهما خير معين له على تحقيق أهدافه العليا التي يرتبط بها مصيره في الدنيا والآخرة، فالدأب والمثابرة ثمرة لعلو الهمة والصبر، وهما الحافزان الأساسيان اللذان يوفران عنصر الاستمرار في الأعمال وتحقيق النتائج المرجوه، وبدونهما يكون الكسل والفشل وسوء المصير.

ومن المعلوم أن معالي الأمور تحتاج إلى صبر ومثابرة فبدونهما لا يكون طلب العلم ولا العلماء، وبدونهما لا يستطيع المؤمن المواظبة على الطاعات من عبادات وغيرها، ولذلك وضع الإسلام منهجاً وسطا للعبادات لا افراط فيه ولا تفريط يحقق المثابرة للمؤمن دون كلل أو ملل من خلال الاعتدال والبعد عن الطفرات الانفعالية التي تدفع المؤمن إلى الاقبال على الطاعات بكثرة وافراط في فترات محددة.

ولكن سرعان ما يعقبها فتور وتقصير وملل، ومن هنا ومنعاً للوصول إلى هذه الحالة الخطيرة، وضع الرسول صلى الله عليه وسلم ـ منهجاً معتدلاً للقيام بالطاعات، فقال عليه الصلاة والسلام:

«أحب الاعمال الى الله أدومها وإن قل» هذه هي القاعدة التي ارتضاها الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته، فهي تدعو إلى القيام بالأعمال الصالحة بشكل دائم، وإن كان هذا الدائم قليلاً، وذلك لأن الافراط في الطاعات يؤدي إلى إجهاد النفس واستنفاد الطاقات، واضعاف الرغبات التي توصل الإنسان إلى الملل ومن ثم الانقطاع عن العبادة.

والحديث الذي معنا يشكل واحدة من هذه الحالات التي شابها عنصر الافراط في العبادة، مما استدعى توجيهاً نبوياً تربوياً لأمته، فهذه المرأة كانت كثيرة النوافل، قوامة لليل إلى حد الافراط والمبالغة، فنهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك بقوله: «مه» وهي كلمة نهي وزجر، ثم كان توجيه النبي لما ينبغي أن يكون فقال:

«عليكم بما تطيقون» وهذه دعوة لإلزام النفس بما تطيق من الأعمال حتى لا تنفر من العمل، ثم وضحت عائشة رضي الله عنها منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي ارتضاه وأراده لأمته بقولها: وكان أحب الدين إليه مادوام صاحبه عليه.

وهنا تتضح لنا أهمية الدأب والمثابرة في المواظبة على العمل المعتدل، بعيداً عن الطفرات والانفعالات والمبالغات التي تؤدي إلى الإجهاد والملل ولما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المبالغة في العبادات خشي أن يفهم من ذلك النهي ان تلك الزيادات في النوافل هي من قبيل المعاصي، بادر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيان القصد من ذلك النهي وهو خوفه على أمته من عدم الثبات على الطاعات، فقال: «فوالله لا يمل الله حتى تملوا».

هكذا حدد النبي صلى الله عليه وسلم لأمته المنهج الأمثل في التربية الشاملة الكفيلة ببناء الإنسان المعتدل في سائر أعماله وأحواله وهذا هو الإنسان الذي يريده الإسلام.

د. أبو بكر علي الصديق