«الإرهاب والكباب» و«الزعيم» عملان فنيان للفنان القدير عادل إمام، وقد رأيت أن أقف عندهما قليلاً لأنهما يجيبان عن أسئلة كثيرة مما يتردد الآن في الأوساط الثقافية والسياسية من أسئلة وأجوبة وأطروحات وحوارات، وإليكم المختصر المفيد:
كم كبير وضخم من الدراسات والتحليل حول موضوع «الإرهاب» ظهر في السنوات الأخيرة، حتى تحول الموضوع إلى ألغاز معقدة وظواهر غامضة مبهمة، فهنا من يبحث في «فكر الإرهاب» و«عمالة الإرهاب» و«علاقة الإرهاب بالإسلام» و«علاقته بالأصولية والتطرف».
وفي جزء من هذا الكم جهد مشكور، سيما وأنه يبحث في الأسباب والأعراض مما يجعله مقدماً على العلاج الأمني القاطع والحاد والذي لا يفرق كثيراً بين الإرهابيين حقيقة وبين المشتبه بهم أو من يملكون اتجاهات دينية قد تكون مسالمة وأبعد ما تكون عن العنف.
وفي رأيي أن انزلاق الشباب في هاوية الإرهاب بالحجم الحقيقي لهذه الظاهرة ودون مبالغات الإعلام الغربي أو وساوس أصحاب الاتجاهات الأخرى قد يحدث بسهولة وأحياناً بدون كثير تفكير واجتهاد أو أرضية فكرية تفنن الباحثون في النبش عنها ودراسة أصولها الفكرية التاريخية والمعاصرة، فالإحباط العام والشامل الذي يكاد يسم حياة الأجيال الحالية بالكامل.
وسد المنافذ والأبواب أمام كل من يريد أن يتنفس، وانعدام تكافؤ الفرص أمام شرائح واسعة من الجماهير مع أجهزة حكومية بيروقراطية معقدة..... وحقوق مواطنة ضائعة، كل هذا من شأنه أن يحيد بشاب غاضب إلى سلوك منحرف يجعله يصنف تحت اسم الإرهابيين.
وكثيراً ما وجد بعض الشباب أنفسهم أمام اتهامهم بالإرهاب إما لصداقة مع آخرين لم يعرفوا عنهم شيئاً من صلتهم بالإرهاب، وإما لانتماء إلى حزب أو جماعة إسلامية كان متاحاً ومباحاً ومعترفاً به منذ أربعين أو خمسين سنة ثم حظر وانصرف عنه أغلب متبعيه، ثم يأتي الحساب بأثر رجعي ليحاسب هؤلاء على ماض بعيد.
إن فورة غضب لسبب ما في الشارع أو في مؤسسة حكومية احتجاجاً على إمعان في تضييع حق أو على انتهاك لكرامة أو عرض من شأنها أن تسم هذا الغاضب الذي يكاد ينفجر بأنه إرهابي أو أنه عدو للنظام أو أنه عميل لجهة أجنبية، وقد نقل إلينا أن رجلاً قال: اللهم أصلح الأحوال فأخذ إلى السجن وبقي فيه سنين حتى بدون محاكمة.
ومن النكت المعبرة عن آلام الشعوب أن حاكمين مستبدين اجتمعا فقال أحدهما للآخر لقد استطعت تطويع شعبي بالحديد والنار فقال له الآخر: ولم الشدة ياعبد الله جوعهم تطوعهم و«تركب عليهم».
وهذا ما حدث في «الإرهاب والكباب» فبعد أن حوصر الموظف المغلوب على أمره مع عشرات وجدوا بمحض الصدفة في بناء حكومي وصور الأمر على أنه مؤامرة لقلب النظام، جاء عرض الأمن لتحقيق ما يريده «المخربون» ليطلقوا سراح المختطفين.
وبعد طول تفكير كان مطلب المتهمين والمختطفين مجرد وجبة كباب لكل واحد، وبعد أن استجابت الدولة لطلبات المختطفين!! فقدمت لهم الكباب خرج الإرهابي مع المختطفين وهو يسير معهم وفيهم، ولم يبادر واحد منهم إلى إرشاد الأمن إلى شخصية الإرهابي.
ترى لو أن أولي الأمر قدموا «الكباب» قبل أن «يستأسد الإرهاب» ألم يكن جزء كبير من مشاكلنا «الأمنية» قد حل أو تم تجنبه، ولماذا لا نريد أن نفهم أن الفقر كاد أن يكون كفراً، فكيف إذا جمع الفقر مع الاستهانة والذل وعدم الاعتراف بأدنى الحقوق..... أليس من حق المسحوق أن يصرخ من شدة ألمه في زمن تعتبر فيه النكتة جريمة تمس أمن الدولة .
ويعتبر فيه الاعتراض كبيرة من الكبائر يحتاج إلى نظام طوارئ يستمر عقوداً ويعيش فيه الزعيم وبطانته في حياة ألف ليلة وليلة، يجب أن نتريث قليلاً قبل توصيف الإرهاب ودراسة فكره الضال وعلاقته مع الخارج من أعداء الأمة.
لقد أخذ كثيرون من الشباب بتهمة الإرهاب بعد أن اعتبروا إرهابيين بالصدفة، أو بعد أن فُسّر سلوكهم باعتباره مضادا للثورة، ثورة الزعيم الذي صوره لنا الفنان القدير عادل إمام بكل مبالغاته في الجهل والظلم والتجارة بالشعارات.
الثورة بدأت ولم تنته ويبدو أنها لن تنته مع أنها قد حققت كل أهدافها ومراميها، الثورة التي ركب موجها الزعيم وبطانته فاستثمروها لتحقيق كل آمالهم الفردية غير الشرعية على حساب الآمال المتواضعة المشروعة لشعوبهم.
إنني أنصح كل من يطيل التفكير والتحليل لأسباب الإرهاب وأفكاره أن يرجعوا إلى «الإرهاب والكباب» وإلى «الزعيم» ليجيبوا عن كل الأسئلة التي تحيرهم، فأكثر من وصفوا بأنهم إرهابيون لا يعرفون شيئاً عن فكر الإرهاب وإنما ساقتهم ظروفهم أو المصادفة البحتة إلى حيث يعتبرون مهددين للزعيم الذي تفديه الجماهير بالروح والدم ـ وهي لا تملك غيرهما ـ وللثورة ببراءة اختراعها العربي كمشروع استثماري للزعيم ومن حوله.