الزكاة ركن من أركان الإسلام ولأهميتها تأتي قرينة للصلاة التي هي عماد الدين، فكم تردد في آي الذكر الحكيم هذا الاقتران «الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة» ووصفناها بأنها واسطة عقد التكافل الإسلامي لأن في التكافل أبواباً وقنوات من الصدقات غير الزكاة وتبقى الزكاة وحدها هي الفريضة على كل مسلم ومسلمة بمقدار معلوم من نصاب محدد، ولها أوجه محددة تصرف فيها كما وضحّها الشارع الكريم.
قال تعالى: «إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب، والغارمين، وفي سبيل الله، وابن السبيل، فريضة من الله والله عليم حكيم» سورة التوبة ـ الآية 60.
ثمانية أوجه تصرف فيها الزكاة وكل وجه منها يعالج مشكلة المحتاجين للدعم من فئات المجتمع، وبهذه المعالجة التي تعالجها الزكاة يتطهر المال وتتطهر النفس من الشح والبخل الذي هو من أشد أدواء النفس البشرية، وصدق الله العظيم القائل في كتابه الكريم «قد أفلح من زكاها» وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم القائل:
«لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبداً» والزكاة واجب على ولي الأسر جميعها ممن تجب عليهم ويقام لها في الدولة الإسلامية ديوان يشرف عليها لتوزيعها في مظانها وأن العاملين عليها لهم استحقاق منها،.
وإذا امتنع من تجب عليه الزكاة عن أدائها أخذت منه بالقوة وهكذا فعل الخليفة الأول أبوبكر الصديق رضوان الله عليه إزاء مانعي الزكاة في أول عهده وحاربهم عليها وقال قولته المجلجلة في سمع الزمان (والله لو منعوني عقال بعير كانوا يؤدونه لرسول الله حاربتهم عليه).
والذي يمتنع عن الزكاة وتؤخذ منه عنوة تؤخذ منه وزيادة فوقها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أعطاها مؤتجراً فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا لا يحل لآل محمد منها شيء» رواه أبو داود والنسائي والبيهقي.
وقوله أيضاً «إن الله افترض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما صنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذبهم عذاباً أليماً» رواه الطبراني في الأوسط والصغير والزكاة لا تنقص من الأموال بل تربيها وتبارك فيها لقوله تعالى: (يمحق الله الربا ويربي الصدقات) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما نقص مال من صدقة».
إن الزكاة فعلاً واسطة عقد جواهر التكافل الاجتماعي في الإسلام لأنها حق واجب للسائل والمحروم، فهي فرض كما هو معروف ولا ينبغي الامتناع عنها، ولهذا فهي واسطة العقد ـ كما وصفناها لأن ما عداها من الصدقات فهي نوافل يمكن أن يقوم بها من ينبغي زيادة القبول عند ربه، أما الزكاة فإذا امتنع عنها من هو مفترض عليه إخراجها فقد هدم ركناً من أركان الإسلام.
ويروي لنا التاريخ الإسلامي أنه في عهد الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز، عندما رد المظالم وأوصل الحق لكل ذي حق، كان مناديه ينادي ذات مرة:
أين الغارمون، أين الناكحون «يعني من يطلبون الزواج» أين اليتامى، أين المساكين، فلم يكن هناك من يتقدم طالباً إعانة لأن الكل قد بلغ حد الاكتفاء الذاتي، أي أن الزكاة حلّت في عهد ذلك الخليفة كل المشاكل، والسؤال: لماذا لم تحل الزكاة مشاكل الفقراء في زماننا هذا؟
وإذا كان الحفيد عمر بن عبد العزيز حدث الاكتفاء في زمانه، فقد سبق إلى ذلك عهد خليفة جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه. تقول الرواية إنه أرسل معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن فأرسل إليه ثلث الزكاة فأنكر عليه عمر ذلك وقال: لم أبعثك جابياً ولا آخذ جزية، فقال معاذ: ما وجدت أحداً يأخذ مني شيئاً» إذن جوابنا على سؤال لماذا لم تحل الزكاة مشكلة الفقر في هذا الزمان؟
لأنه من المؤكد أنها لا تؤدي على الوجه الأكمل شأنها شأن هجر كثير من أركان الإسلام الأخرى. انظروا يرعاكم الله الطرقات تفيض بالناس في ديار المسلمين والمؤذن ينادي «حي على الصلاة» ولا يلبي من هذه الجموع التي تزحم الأسواق والطرقات إلا النذر اليسير ومن أجل ذلك ازدحمت الطرقات والأسواق بالناس وخلت المساجد من المصلين فليس إلا صفوف قليلة ممن لبوا النداء.
والأمر ينطبق كذلك على الزكاة فلو أنها أخرجت كما ينبغي لفاضت الأموال حتى لا يبقى فقير أو محتاج والدليل الذي يؤكد أيضاً على ذلك هذه الأصوات السائلة للإحسان من ابن سبيل انقطعت به السبل أو مريض هداه المرض أو.. أو.. والقائمة طويلة من ذوي الحاجات الذين اضطرتهم وطأة الحاجة إلى مد الأيدي في سؤال فيه الإذلال.
ومن تركستان يجيء صوت العلاّمة ابي النصر مبشّر الطرازي الحسيني قائلاً: «إن الإسلام قد وضع نظاماً اقتصادياً متيناً ضد الفقر الذي يهدد في زماننا هذا كيان البشرية في أنحاء المعمورة، لو اتبعه المسلمون ونفذوه كما ينبغي التنفيذ لأمنوا خطر الفقر» .
ونقول لعالمنا الجليل، لم يتبع المسلمون في هذا العصر هذا النظام الذي تفرّد به الإسلام، بل أهملوه وهجروه كغيره من السنن المهجورة، ومن المؤكد أنهم لم يعايشوا الإنذار الخطير الذي أنذرهم به الخالق سبحانه وتعالى القائل عز من قائل:
«والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل فبشرهم بعذاب أليم، يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون» سورة التوبة ـ الآيتان 34 ـ 35.
ولم يتدبروا قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم، بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة).
إن البخل بالزكاة وتسخير المال في الأهواء والملذات هو سبب كل الابتلاءات التي يعيشها مجتمعنا الإسلامي المعاصر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: «حب الدنيا رأس كل خطيئة» لقد أحبت مجتمعاتنا المعاصرة الدنيا حتى النخاع فتكالبت علينا الأمم وانتزعت الهيبة منّا فلم يعد أحدٌ من هؤلاء المتكالبين يعمل حساباً لنا.
لو أنك جئت اليوم إلى صاحب مال تطلب منه العون في ما يتطلب البر، لا يجيبك،فإذا جاءه من يدعوه إلى اللهو والهوى استجاب من غير تردد وهذه هي مصيبتنا في ديننا التي نبرأ إلى الله منها.