البكاء من خشية الله وإجلاله وتعظيمه تجارة رابحة ثمنها النجاة من النار والتمتع بظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله ولذلك قال عبدالله بن عمر رضي الله عنه:

«لأن أدمع من خشية الله أحبُّ إليّ من أن أتصدق بألف دينار» مع ما للصدقة من ثواب عظيم وأجر كبير وحسبها من الأجر أنها تطفئ غضب الرب لكن البكاء من خشية الله يفوقها منزلة إذ يصل بصاحبه للظل يوم الحر الشديد فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:

إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال:

إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه» والشاهد في الحديث فيمن ذكر الله بعيداً عن أعين الناس ـ تحقيقا للإخلاص ـ فتحرق قلبه بنار الذنب وفاضت عينه من خشية الله وهيبته إياه.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي عن ابن عباس: «عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس في سبيل الله» فالعين التي ذرفت الدمع خشية ربها عين ناجية ولو كان هذا الدمع قليلاً لكن المهم الإخلاص لله ولذلك قال سفيان الثوري: «البكاء عشرة أجزاء: فواحد منها لله والتسعة كلها رياء، فإذا جاء ذلك الجزء الذي لله تعالى في السنة مرة واحدة نجا صاحبه من النار إن شاء الله».

ويوم القيامة تتعدد الشواهد على أعمال العبد بعد أن يمسك لسانه فتشهد الأيدي والأرجل والأعضاء والأماكن والزمان على العبد وهنا تشهد العين على بكاء العبد من خشية الله فينجو وتشهد الأماكن كذلك ولهذا يقول ثابت البناني: «ما تركت في المسجد سارية إلا ختمت القرآن عندها وبكيت عندها».

وهذا لأن البكاء دليل خوف وتعظيم لله، والعبد إن خاف الله في دنياه كان له الأمن في أخراه بعد أن يحط بكاؤه عنه خطاياه في دنياه، يقول مالك بن دينار:

«إن البكاء على الخطيئة يحط الخطايا كما تحط الريح الورق اليابس، وإن كان الحافظان يحصيان أنفاسك ويسجلان همساتك ويستعينان في ذلك بذاكرة لا يعرف النسيان إليها سبيلاً فإن الوضع في حالة البكاء مختلف لأن بكاء العبد يسقط الذنب لذا قال الشاعر:

كتبت بأدمعي في صحن خدّي

كتاباً بالتذلل والخضوع

فقالوا قد عفونا لما

محوت قبيح فعلك بالدموع

ومن علامات التوبة البكاء والندم على ما اقترف العبد من ذنبه والإقلاع عنه والعزم على عدم العودة إليه، والدمع قرينة الندم ودليل الحسرة على فعل الحرام ولهذا يأتي بالعفو والمغفرة من الله، أما قساة القلوب الذين أجدبت أعينهم وقحطت فلم يسل لها دمع وصارت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة فهؤلاء لهم الخذلان وهؤلاء يقول لهم الشاعر:

بخلت عيونك بالبكاء فلتستعر

عيناً لغيرك دمعها مدرار

مَنْ ذا يعيرك عينه تبكي بها

أرأيت عيناً للدموع تعار

وهؤلاء أمنوا مكر الله فبعد عنهم القلق ولم تحترق قلوبهم بنيران الندم على التقصير، فحق عليهم قول النبي فيما يرويه عن رب العالمين: «وعزتي وجلالي لا أجمع لعبدي أمنين ولا خوفين، إن أمنني في الدنيا أخفته يوم أجمع عبادي، وإن هو خافني في الدنيا أمنته يوم اجمع عبادي». فإلى قساة القلوب، جافي المقل يقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن ماجه وصححه الألباني:

«يرسل البكاء على أهل النار فيبكون حتى تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يصير في وجوههم كهيئة الأخدود، ولو أرسلت فيه السفن بحرت». فلك مقدار من الدموع لابد أن تذرفه إن لم تذرفه ندماً على الخطايا والتقصير في الدنيا ذرفته يوم القيامة في جهنم، والعاقل من تخير الأفضل وتفكر في الذنب فحزن وندم.

وقد انهالت وفاضت عيون السابقين الصالحين والأمثلة أكثر من أن تعد لكن نذكر منها ما رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبيّ بن كعب رضي الله عنه: «إن الله عز وجل أمرني أن أقرأ عليك» «لم يكن الذين كفروا» قال: وسمَّاني؟ قال: نعم، فبكى أبيّ» فهؤلاء رقت قلوبهم خاصة عند قراءة القرآن فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:

لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه، قيل له في الصلاة فقال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» فقالت عائشة رضي الله عنها: إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن غلبه البكاء، فقال: «مُرُوه فليصل».

فهذا حالهم ولِمَ لا يكون هكذا وقدوتهم النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يسمع له عند التلاوة أزيز كأزيز المرجل وحين طلب من ابن مسعود رضي الله عنه أن يقرأ عليه القرآن فقال ابن مسعود: أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال له النبي: «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ ابن مسعود سورة النساء حتى قوله تعالى:

«فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا» وهنا قال له النبي: «حسبك الآن» فالتفت ابن مسعود فإذا عيناه الشريفتان تذرفان. فهلا رقت القلوب وفاضت الأعين.