مع مرور أيام شهر رمضان وبما يعمله الصيام في النفس البشرية تظهر ينابيع الحكمة في سلوك المسلم الذي يتمتع بالأخلاق الفاضلة التي حث عليها الإسلام وتجلب عليه السعادة وراحة البال والتي منها خلق الوفاء.

فالمسلم الوفي تجده لا يفتر لسانه عن ذكر الله ولا يمل من عمل الخير ويحافظ على أداء الصلوات في أوقاتها في بيوت الله عز وجل ويتعدى وفاء إلى أهله ومحبيه ومن يتعامل معهم في دنيا الناس بغية إيصال الحقوق إلى أصحابها والمحافظة عليها، بل يمتد فاؤه إلى الأموات أيضا.

قال تعالى: والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. (الحشر 10)

فالوفاء المنبعث من حب المؤمن لأخيه المؤمن يجعل المسلم لا يسوف في أداء ما عليه من دين مثلا، وهذا ولا شك يجلب رضا الله عليه وإحسانه له ويسبب الدعوات الصالحة من الناس جميعا لأنهم رضوا بذلك الصنيع في رمضان وفي غير رمضان.

روي عن ابي سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا قدست أمة لا يعطى الضعيف فيها حقه غير متعتع. (رواه أبو يعلي ورواته رواة الصحيح).

ورواه ابن ماجه بقصة، ولفظه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم دينا كان عليه فاشتد عليه حتى قال: اخرج عليك إلا قضيتني فانتهره أصحابه، فقالوا ويحك تدري من تكلم؟ فقال: إني اطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلا مع صاحب الحق كنتم، ثم أرسل إلى خولة بنت قيس، فقال لها:

إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمر فنقضيك؟ فقالت: نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فاقترضه، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت أوفى الله لك، فقال: أولئك خيار الناس، إنه لاقدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع.

مسكين أيها الأعرابي، شيء قليل أقترضه منك رسول الله صلى الله عليه وسلم وجئت وليس عنده شيء، لكن أبى كرمه صلى الله عليه وسلم إلا أن يكرم وفادته ويغدق عليه بإحسانه ويرد ما أخذه مضاعفاً.

وهكذا تكون مكارم الأخلاق، حسن الأداء مع البشاشة واللطف والجود، فلم يخرج الأعرابي من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو مبتسم فرح، ترفرف عليه راية الوفاء وحسن الأداء وطيب القضاء.

فكذلك المسلم الذي هذب الصيام من طبعه وبعث فيه روح المحبة للآخرين لا يتوانى في الوفاء بما عليه للآخرين لأن في ذلك سعادة للطرفين الدائن والمدين. قال تعالى: من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب. (الشورى 20).

روي عن علي رضي الله عنه أن مكاتبا جاءه فقال: إنك عجزت عن مكاتبتي، فأعني، فقال: ألا أعلمك كلمات علمنهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لو كان عليك مثل جبل صير دينا أداة الله عنك، قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، واغنني بفضلك عمن سواك. (رواه الترمذي واللفظ له وقال حديث حسن غريب والحاكم، وقال صحيح الإسناد».

والشيء الذي يريح النفس ويسعدها الوفاء بالوعود والعهد الأمر الذي يجعل الوئام يحل بين الناس وتنتشر المحبة في دنيا الناس ويشعر الجميع بالأمن والأمان.

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أضمنوا لي شيئا أضمن لكم الجنة، أصدقوا إذا حدثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدوا إذا أئتمنتم، واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم. (رواه أحمد وابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي، وقال الحاكم صحيح الإسناد».

قال تعالى: عن سيدنا إسماعيل عليه السلام: واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا. (مريم 54).

والدليل على صدق وعده أنه وعد إنسانا في موضع، فلم يرجع إليه ذلك الإنسان، بل نسي فبقي سيدنا إسماعيل اثنين وعشرين يوما في انتظاره حتى يفي بوعده.

ولما حضرت الوفاة عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: إنه كان خطب إلى ابنتي رجل من قريش ووعدته، فوالله لا ألقي الله بثلث النفاق، أشهد أني قد زوجته ابنتي.

وكان المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه قد وعد أبا الهيثم ابن التيهان خادما، فلما جاءه السبي، طلبت من ابنته فاطمة خادما يريحها من تعب الرحى، فقال صلى الله عليه وسلم أنا وعدت أبا الهيثم ابن التيهان ولم يفضل ابنته عليه وأعطاه لأبي الهيثم كما وعد.

نماذج مشرفة للوفاء بالوعد، ضربها لنا الرسول الله صلى الله عليه وصحابته الكرام كي نقتدي بهم ونحقق السعادة للجميع ومن الوفاء أن لا يتغير حيال المسلم في التواضع مع أخيه وإن ارتفع شأنه وعظم جاهه، فالترفع على الإخوان بما يتجدد من الأحوال لؤم. كما أنه ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين.

ومن الوفاء أن لا يسمع الإنسان بلاغات الناس على صديقه لاسيما من يظهر أولا أنه محب لصديقه كيلا يتهم، ثم يلقى الكلام عرضا، وينقل عن الصديق ما يوغر القلب، ومن لم يحترز منه لم تدم مودته أصلاً. ومن الوفاء أن لا يصادق عدو صديقه، قال الشافعي رحمه الله: إذا أطاع صديقك عدوك فقد اشتركا في عداوتك.

وإذا كان الوفاء بين الأحياء أمراً حث عليه الدين ويحرص عليه ويدعو إليه فإن الإسلام يرشدنا إلى ضرورة استمرار هذه بين الحي والميت وذلك بأن يظل الأحياء أوفياء لإخوانهم الذين سبقوهم إلى الدار الآخرة.

قال تعالى: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم. (الحشر 10).

وإن من امارات وفاء الابن لأبويه والأخ لإخوانه والصديق لأصدقائه إيصال البر إليهم بعد موتهم.