كان الخليفة العباسي عبدالله المأمون معروفاً بالعلم والذكاء وسرعة البديهة. ومع ذلك فهو يقول: لم أَعْيَ بجواب أحد كما عييت بجواب ثلاثة لم استطع لقولهم ردا:

أما الأول، أم ذي الرياستين الحسن بن سهل، فإنه لما مات توجهت إليها فقلت لها: لا تأسَيْ عليه، ولا تحزني لفقده فإن الله تعالى أخلف عليك مني ولدا يقوم لك مقامه! فبكت وقالت: وكيف لا أحزن على ولد أكسبني ولدا مثلك؟!

والثاني رجل كان في عقله نقص حتى ادعى النبوة وزعم أنه موسى بن عمران، فأمرت باستدعائه، فلما جيء به قلت له من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران عليه السلام! فقلت له ويحك فإن موسى عليه السلام كانت له معجزات وآيات ودلالات ظهر بها أمره. منها أنه ألقى عصاه فابتلعت كيد السحرة، وأنه ضرب البحر فانفلق إلى شطرين، قال وجعلت أعَدِّد له معجزات موسى، ثم قلت:

وأنت لو أتيتني بواحدة فقط من هذه المعجزات لكان لنا معك موقف آخر. قال الرجل: نعم صدقت. فإني أتيت بهذه المعجزات عندما قال فرعون أنا ربكم الأعلى. فإن قلتَ أنت كذلك أتيتك بهذه المعجزات!

وأما الثالث فإن أهل الكوفة قد بعثت عليهم واليا وكنت أحسبه عادلا أمينا فإذا وفد منهم كبير جاؤوني يشتكون من هذا الوالي وقالوا إنه شر عامل جعلنا نبيع بيوتنا وأمتعتنا لظلمه فينا، قال:

فقلت لقائلهم: كذبت ولا كرامة. إني أعرفه. فقال الرجل صدقت يا أمير المؤمنين هو عادل ونحن كاذبون. ولكن هذا العادل الذي ترضى عدله لِمَ خصصتنا به طيلة هذه السنين دون باقي البلدان التي ألزمك الله عز وجل من العناية بأمورها مثل ما ألزمك من العناية بأمورنا، فاستعملْه عليها ليشملها من عدله وإنصافه ما شملنا نحن وتمتعنا به!

قال المأمون فقلت له: قم في غير حفظ الله، واعلم أنني قد عزلته!

أبو جعفر المنصور

ومن ذلك أن الخليفة العباسي الثاني وهو أبو جعفر المنصور زار المدينة وأقام فيها شهرا ولما وصل إليها طلب أن يلتمسوا له رجلا فصيحا متكلما عالما بالمدينة وأهلها ليخبره بمواقع بيوتات بني هاشم فيها بعد الهجرة، فانتدبوا له أعرابيا حافظا واعيا وأفهموه ألا يتكلم حتى يسأله الخليفة فإن لم يسأله عن شيء فليمسك عن الكلام. فلما توجه إلى الخليفة اختبره فوجده ذكيا فطنا.

وسار معه في اليوم الأول في بعض مناحي المدينة فما سأله عن شيء فيها إلا أجاب بأحسن جواب. فأمر حاجبه الربيع أن يعطي للرجل عشرة آلاف درهم. وظل يسير معه حتى أوشك الشهر على الانقضاء فإذا الرجل دون أن يسأله الخليفة عن شيء يقول يا أمير المؤمنين وهذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الشاعر الأحوص:

يا بيتَ عاتكةَ التي أَتَعَزَّلُ

حذرَ العِدا وبه الفؤادُ مُوَكّلُ

وعاتكة قيل إنها عاتكة بنت عبدالله بن معاوية وقيل بل هي امرأة عجوز وقيل بل هو لقب رجل كما قاله صاحب الأغاني. وأتعزّل أي أعتزل وأتجنب. فلما سمع المنصور ذلك عجب أن يبدأ الرجل الكلام على غير عادته دون أن يسأله المنصور. فجعل المنصور يتذكر أبيات القصيدة فوجد ضمن أبياتها بيتا توقف عنده يقول الشاعر فيه:

وأراك تفعلُ ما تقولُ وبعضُهُمْ

مَذِقُ اللسانِ يقول ما لا يفعلُ

فنادى حاجبه الربيع بن يونس، وقال له كنت قد أمرتك أن تدفع لهذا الرجل عشرة آلاف درهم فهل دفعتَها له؟ قال لم أدفعها وقد نسيت الأمر، فقال له ادفعها له ويلك! وزده خمسة آلاف.

فعجب الربيع واستدعى ذلك الرجل وأخبره بأمر الخليفة وقال له إن لم تخبرني بأي شيء توسلت في طلب المال فلن أنجزه لك، فقال إني ذكرت للخليفة قصيدة الأحوص في بيت عاتكة قال وما في ذلك؟ قال قصدت البيت الذي يقول وسرد البيت. قال الربيع: وما الذي جعلك تعتقد أن الخليفة سيفطن إلى الأمر؟ قال: علمي بذكائه وفطنته، وشدة حفظه للشعر، مع حرصه على الوفاء بوعده.

وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.