ذكر لنا القرآن فتية في الدهر الأول.. آثروا الإيمان.. فزادهم الله هدى.. وأفاض عليهم من الرحمة.ربط الله على قلوبهم فزادهم إيماناً مع إيمانهم لأن حمى الله أوسع وأرحب لمن لاذ إليه.
وقص الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - نبأهم بالحق. وهى كقصص القرآن حين تعرض نموذجاً للإيمان في النفوس المؤمنة.. كيف تطمئن؟ وتؤثر الإيمان على زينة الحياة الدنيا وزخارفها ومتاعها؟ الذي هو كالهشيم تذروه الرياح فما تبقى منه ولا تذر !! فهو أيضاً قليل إذا قيس بما أعده الله لعباده الطائعين. والقرآن يروي القصة في قوله:
« أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا، إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا أتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا، ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا، نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية أمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا، هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهه لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا» سورة الكهف.
ذكر في سبب نزولها نزول قصة القرنين أن اليهود أغروا أهل مكة بسؤال الرسول - صلى الله عليه وسلم - عنهما وعن الروح. أو أن أهل مكة طلبوا إلى اليهود أن يصوغوا لهم أسئلة يختبرون بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد يكون هذا أو بعضه صحيحاً.
فلقد وردت في القصة أقاويل كثيرة وأساطيل شتى، اندست في كتب كثيرة بلا سند صحيح يقيم الحجة، تناقلها هواة الأساطيل وما أنزل الله بها من سلطان. إنهم فتية أشداء في أجسامهم، أشداء في إيمانهم.. (كانوا من آياتنا عجبا) كانوا يعيشون في مجتمع وقتي ظالم جاحد، فغروا بدينهم حتى لا يفتنون فلجأوا إلى الغار سائلين الله الرحمة وأن يصلح من حالهم وشأنهم، أن الفتية شكروا وارتابوا في عبادة قومهم للأصنام، ولم تطمئن لها نفوسهم، واضطربت أفكارهم وتفتحت قلوبهم للحق، فأعلنوا عن شكهم واستنكارهم لما يعبد القوم.
لقد جالوا في رحاب الكون يتفكرون ببصائر نافذة، حتى أضاءت نفوسهم بنور التوحيد، وهدوا إلى الله منشئ الخلق.. وسر الوجود.. وخالق السموات والأرض. وعندئذ ذهبوا إلى الكهف مفارقين الأوطان ومهاجرين بدينهم إلى الله.. ولمحهم كلب في الطريق، فسار في أثرهم، وتعلق بهم، فلم يروا بأساً أن يرافقهم بصحبهم أو يحرسهم.
كان لابد أن يهجروا الشرك وعبادة الأوثان وجاهلية القوم.. وربط الله على قلوبهم، فإذا هي ثابتة راسخة، مطمئنة إلى الحق الذي عرفت معتزة بالإيمان الذي اختارت والذي أحل السكينة بها. انهم لا يريدون أن يشاركوا قومهم في العقيدة بعد ما عرفوا الحق:
(هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا) 15- الكهف.
فهذا طريق الاعتقاد، أن يكون للإنسان دليل قوي يستند إليه، وبرهان له سلطان على النفوس والعقول، وإلا فهو الكذب وظلم النفس، لأنه كذب على الله، الذي لا يقره العقل أو يرضى به. فلا حياة في وسط هذا المجتمع الجاهلي الوثني.. فلا سبيل إلا الفرار بدينهم إلى الله.. وأن يختاروا الكهف وقد آثروه على زينة الحياة الدنيا، وقد انكشف أمرهم وإيمانهم فها هم يعتزلون قومهم:
«وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا» 16 الكهف.
لقد شرعوا في هجران قومهم إلى الكهف، إلى المكان الخشن المظلم الضيق ليستروحوا رحمة الله التي لا تعز على طالب، لتكون لهم ظليلة فسيحة ممتدة.. فما من محنة تحفها رحمة الله حتى تكون هي بذاتها نعمة، فينام الإنسان على الشوك مع رحمة من الله.. فإذا هو مهاد.. وينام على الحرير وقد أمسكت عنه فإذا هو شرك القتاد.. ويعالج أعسر الأمور برحمة الله فإذا هي هوادة ويسر. وبدون الرحمة مشقة وعسر.
لقد فضل هؤلاء الفتية الكهف مع الرحمة، فإذا هو فضاء فسيح رحيب واسع، وإن الوحشة الموغلة لتشف، فإذا الرحمة والرفق واللين والرخاء. إن الحدود الضيقة لتنزاح، وإن الجدران الصلدة لترق. حقاً.. إنها نعمة الإيمان والوثوق بالله العظيم. هجروا القصور وحياة الترف والبذخ حباً في الله وحباً في الإيمان والحق، وطمعاً في الرحمة..
وما أن وصلوا إلى كهفهم حتى جلسوا واستراحوا حتى تبرد أقدامهم. ثم أضجعوا لمزيد من الراحة بعد السير ليعيدوا ما ذهب من عافيتهم. ولكنهم ما عتموا أن أحسوا إغفاءة خفيفة داعبت جفونهم.. ثم أسلمت رؤوسهم إلى الأرض في نوم عميق.. فناموا.
وتعاقب ليل اثر نهار ومضى عام وراء عام، والفتية راقدون والنوم مضروب على آذانهم، والكرى معقود بأجفانهم، لا تزعجهم زمجرة الرياح، ولا يوقظهم قصف الرعود. هم آمنون في كهفهم ترعاهم عين الله التي لا تنام. وقد هيئ لهم من أمرهم رشدا.