كان نجيب الحداد من أعلام الأدب والصحافة الذين انتقلوا من الشام إلى مصر في القرن التاسع عشر: اشتهر شاعراً وكاتباً وصحافياً وروائياً ومترجماً. تعلم في لبنان ومصر واستفاد من خاله إبراهيم اليازجي مزيداً من البراعة في اللغة وجوانب الأدب ومن آثاره ديوانه (تذكار الصبا) طبع مراراً، وطبع له عدد من الروايات والقصص والمسرحيات والمقالات والبحوث، وعلى رغم قصر عمر الشاعر ترك أثراً مهماً في الحركة الأدبية العربية لزمانه.

تصدرت ديوان الشاعر صورة له، لم تتغير مع تكرار طبعات الكتاب والمختارات منه. وتحت الصورة بيتان، هما:

قد كان لي جسم رسمت خياله

حرْصاً عليهِ قبل يوم زواله

واليوم أوشك أن يزول من الضنى

فأنا لكم أهدي خيال خيالهِ!

وفي الشعر لفتة معنوية، فهو يّهدي خياله (صورته) ولكنه في الأصل مَهْزُول (ضعيف الجسم) من همّ أو حُبّ، فهو كالخيال رقة وضنيً. وهكذا، فإنه يهدي خيال الخيال لا صورة إنسان! وذلك منه مبالغة، وقد قال المتنبي:

كفى بجسمي نحولاً أنني رجلُ

لولا مخاطبتي إياّك لم ترَني!

ـ وفي ديوان تذكار الصبا قطعة أخرى نظمها، وكتب بيتيها تحت صورة من صورة

وهي قوله

أهديك بالرسم جسْماً شفّه ولَهٌ

لذاك لاح لديك الآن منسجما

ولو قدرت بعثتُ الجسم في ورقٍ

لأنه قد غدا ـ شوقاً ـ كما رُسما

والبيتان لطيفان وفيهما دعابة ظاهرة، وهما يشربان من معنى القطعة السابقة، واستخرج الشاعر لنفسه وَزْن انسقم وجاء باسم الفاعل منسقم ليقول إنه بسبب الوله الذي أصابه صار سقيماً عليلاً، ولو شاء لأرسل نفسه في رسالة (بريدية) أو بطاقة لأن حقيقته بعد السّقم تشبه صورته الدّالة عليه!.

ـ واستعمل الشاعر مفردات الرسم والخيال للدلالة على الصورة.

ـ وفي الديوان قطعة من أربعة أبيات لطيفة، وفيها (لقطة) معبّرة، وهي قوله:

رأوا بكفّي صورة

أضمّها من شغَفي ..

قالوا: لقد ضممتها

جدّاً، ولماّ تكتفي؟

فقلت لو أنّي ضَمَمْـ

.. ـتُ أصْلها لم أَشْتَفٍ

فكيف عن بُعْدٍ بها

أشفى وناري تنطفي؟

ويظهر في القطعة استعمال (الأصل ـ والصورة) التي درجت بعد ذلك، لكل أصل تستنسخ بالطباعة منه نسخة أخرى

ـ ومن لطيف شعره في ما يخصّ الصورة والتصوير قطعة قالها في صديق له «بارع في صناعة التصوير» كما قال الشاعر في تقديم القصيدة، يقول فيها:

ياراسماً رسمت يداه بمهجتي

من حسنه مالا تزولُ سطورهُ

صوّرت نفسكَ في الفؤاد فكنت لي

رسماً يلوح بنور وجهك نوره

لا بدع إن أحسنت تصوير الورى

فالبدر يكمل أولاً تدويرهُ

مَنْ للطبيعة أن يحاكي فعلها

فنّاً ظفرت به وأنت أميره

ـ وألف أمين الحداد شقيق الشاعر كتاباً سماه: «منتخبات الطيب الذكر المرحوم الشيخ نجيب الحداد» طبع بالاسكندرية 1903، وفي هذه القطعة التي وضعت مع صورة الشاعر نجيب:

أنجيب إنك قد قضيت فما انقضى

لك بيننا عهد ولا مِيْثاق

يبقى مثالك مثل ذكرك دائماً

يلهو بذا سمحُ وذا أحداقُ

يتذكرونَ به صباك وأنْملاً

رنّت لصوت يراعها الآفاق

وقصائداً لك ينثني عنها البلى

مهما بليتَ ويرجع الإخلاقُ

قد كنتَ في دنياك روضاً مثمراً

لذّتْ به الأبصارُ والأذواقُ

فذوى وليس لنا بديلٌ يُرْتجى

منهُ وخاب بشوقه المشتاقُ

أماّ مثالك فهو ظِلُّ دائمٌ

رَسَمَتْهُ معها هذه الأوراقُ!

ـ وقول أمين عن نجيب إنه قذ ذوى إشارة إلى موته المبكر عن نحو ثلاثين سنة

ـ لقد وجد أهل الشاعر في مثاله (صورته) عزاءً، فالصورة تذكّر به وتشفي بعض الغليل.