الإنجاب من الزوج المتوفى من القضايا التي فرضت نفسها على مائدة العلماء فقد أثارت بعض المراكز الطبية التي لديها بنوك للمني وتعمل في مجال التلقيح الصناعي وأطفال الأنابيب هذه القضية وتساءلت عن الموقف الشرعي للسيدة التي ترغب في الإنجاب من مني زوجها المحفوظ لديها بعد وفاته ولأن هذه القضية تعد من القضايا المستحدثة وليس لها سابقة في الفقه الإسلامي فقد اختلف حولها العلماء.
من جانبه يحذر الدكتور زكي عثمان الأستاذ بكلية الدعوة الإسلامية جامعة الأزهر من التسرع في إصدار فتاوى أو أحكام حاسمة على مثل هذه العمليات لأنها جديدة والحكم فيها لايعتمد على نصوص ومن ثم فهي تعتمد على الاجتهاد .
مشيرا إلى أن المسلمين اعتادوا قبول الرأي وضده فالخلافات بين الأئمة قبلناها بكل بساطة رغم أن الخلاف في تفسير نصوص أساسية فما بالنا إذا كانت القضية لا تعتمد على نصوص وإنما الحكم فيها مجرد اجتهاد وبالتالي ليس من حق أحد أن يحجر على رأي الآخرين ويحرمهم من الاجتهاد.
ويشير إلى وجود رأيين في هذه القضية الأول: يجيز للمرأة الحصول على التلقيحة وزرعها في رحمها بشروط أن تكون التلقيحة حقيقية ومأخوذة من الزوج والزوجة وأنه مادام قد تم الاتفاق مع المركز على زرع التلقيحة الصناعية في توقيت معين والزوج الذي توفي ترك ميراثا للمولود فلا مانع من زرعها لأنهم لو سألوا الزوج قبل وفاته لوافق على إتمام التلقيح بعد موته لأنه ترك ميراثا وكان يتمنى أن ينجب من يرثه.ويرى أن تنفيذ هذه الرغبة يعد تنفيذا لوصية الزوج.
ويضيف أما الرأي الثاني: فيمنع التلقيح بعد الوفاة لأن أهل الميت سيدخلون في صراع ضد الزوجة وقد يتهمونها بالزنا لأن الزوج لم ينجب في حياته فكيف لزوجته أن تأتي له بمولود بعد وفاته لتستولي منهم على الميراث كما إن العلاقة الزوجية قد انتهت بالوفاة.
ويؤيد الدكتور عبدالعظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر فكرة الإنجاب من الزوج المتوفى ويقول يجوز للزوجة أن تزرع التلقيحة بعد وفاة زوجها والابن الذي تنجبه يرث من أبيه بدون الرجوع للورثة.
ويضيف ما دام الزوج كان موافقاً على عملية التلقيح الصناعي فلا بأس من حمل الزوجة بعد وفاته مطالبا المركز الطبي الذي لديه التلقيحة الصناعية أن يلتزم بشروط الزوج والزوجة ويعمل على تنفيذها.
وعلى الجانب الآخر يرى الدكتور محمد رأفت عثمان الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن الزوجية تنتهي إما بالطلاق أو الفسخ أو الوفاة فإذا توفي الزوج فقد انتهت الزوجية بين الزوجين موضحا أن الإنجاب لا يعتد به شرعاً إلا في ظل زوجية قائمة فإذا حدث التلقيح بين بويضة المرأة التي توفي عنها زوجها والحيوان المنوي الذي احتفظ به بالوسائل الطبية فان هذا الإخصاب يكون خارجا عن فترة كيان الزوجية.
وقال إن الزوجية شرط في صحة الإنجاب ولذا لا يجوز إنجاب الأرملة من زوجها المتوفى بعد وفاته لانتهاء الزوجية مشيرا إلى أن السماح بهذا الإنجاب سوف يفتح باب الادعاء من بعض الأرامل اللاتي يردن منع بعض الورثة من ميراثهم من أزواجهن بحجة إنهن أجرين عمليات إخصاب من حيوانات منوية تركها هؤلاء الأزواج في بنك أو مركز طبي قد يودي ذلك إلى فتح باب الانحراف الخلقي وتدعي من وقعت في هذا الانحراف أنها حملت من زوجها المتوفى.
ويخلص الدكتور عثمان إلى القول إن هذا يجعل الإنجاب من الزوج المتوفى حراماً استنادا إلى قاعدة سد الذرائع مؤكدا أن هذا قد يؤدي إلى سوء سمعة التي تحمل بهذه الطريقة والإسلام حريص على حسن السمعة لكل الناس.
وتتفق الدكتورة سعاد صالح الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية جامعة الأزهر مع الدكتور عثمان وتقول: عملية التلقيح الصناعي أجازتها المجامع الفقهية بشروط منها أن يثبت بناء على تقرير طبي من طبب مختص أن الزوجة لا يمكنها الحمل إلا بهذه الطريقة بالإضافة إلى أن يكون التلقيح من مني الزوج نفسه وفي رحم الزوجة نفسها وأن يتم في حياة الزوج وليس بعد مماته على أساس أن الزوج حين يموت يصبح غريبا عن زوجته لانقطاع رابطة الزوجية بالوفاة وبذلك يعتبر التلقيح منه محرما.
ويوضح الدكتور حمدي شلبي الأستاذ بكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر أن الإنجاب بالتقنيات الحديثة أمر لا غبار عليه وهو جائز شرعاً إذا تم مراعاة الاحتياطات مشيراً إلى أن هذه التقنيات من قبيل العلاج المباح بشرط أن يتم ذلك في حياة الزوجين وبقاء العلاقة الزوجية بينهما وحضور الزوج هذه العمليات التي تجرى لزوجته.
وأضاف أما إذا مات الزوج وكانت هناك بعض «اللقاحات» التي أخذت من الزوجين فلا يجوز للزوجة وضع احدها في رحمها بهدف الحمل من زوجها المتوفى وذلك لأن العلاقة الزوجية انتهت وبانقضاء العدة الشرعية للزوجة توزع تركة الزوج على ورثته الشرعيين الموجودين حقيقة على قيد الحياة أو الموجودين حكما كالحمل المستكن في رحم الزوجة.
وبشروط معينة حددتها المادة 43 من القانون 77 لسنة 1943 الخاص بالمواريث ونصها «إذا توفي الرجل عن زوجته أو معتدته فلا يرثه حملها إلا إذا ولد حيا لخمسة وستين وثلاثمئة يوم على الأكثر من تاريخ الوفاة أو الفرقة وعلى ذلك لو جاءت بولد بعد هذه المدة فلن يرث من هذا الزوج وليس من حقه مشاركة الورثة السابقين في التركة التي يتم توزيعها.
ويؤكد الدكتور شلبي أن الولد الذي ينجب بهذه الطريقة لن ينسب إلى الزوج المتوفى لأن الولد ينسب للفراش ولا فراش حينئذ لأن الفراش انتهى بموت الزوج موضحاً أن فتح هذا المجال يفتح أبوابا من الذرائع سدها الشرع فلو حملت امرأة بجنين بعد موت زوجها لأدعت أنه من الزوج السابق ولا يمكن التحقق الدقيق من ذلك.
ويطالب المراكز الطبية بإعدام أية تلقيحات بمجرد موت صاحبها لأنه بانتهاء عدة الزوجة من زوجها المتوفى يجوز لها شرعاً الزواج من آخر لتنجب منه إذا أرادت.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد:
