يحيي المسلمون في الولايات المتحدة شهر رمضان المبارك بالصيام والعبادة والقيام بأعمال الخير، ويزداد نشاطهم في هذا الشهر الكريم لشرح الإسلام للمواطنين الأميركيين من غير المسلمين لأن رمضان كما قال الدكتور محمد متولي رشيد، المقيم في الولايات المتحدة منذ 25 عاما لـ «البيان»:
«يوفر لنا فرصا، عديدة لتقديم المعلومات عن الإسلام ومبادئه وقيمه البديلة، وقد أصبحت هذه مهمة ملحة وكبيرة، بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001. حيث وجد فيها المغرضون الذين يريدون النيل من الإسلام والمسلمين. فرصة كبرى لتوجيه الاتهامات للمسلمين، والتطاول على الإسلام ومبادئه».
وقال الدكتور رشيد: ان هذه المهمة لا يقوم بها فقط الافراد المسلمون في المحيط الذي يعيشون فيه، وإنما يقوم بها أيضا وبشكل رئيسي المنظمات والجمعيات والمراكز الإسلامية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، ومن ضمنها تلك الموجودة في واشنطن الكبرى وضواحيها،.
حيث نقيم والتي تقدر بعض الاحصائيات القريبة من الدقة، ان عدد المسلمين فيها يصل إلى حوالي 250 ألف مسلم أميركي مقيم بصورة دائمة، وآخرين موجودين إما للدراسة أو العمل، بالإضافة إلى دبلوماسيي وموظفي السفارات العربية والإسلامية وعائلاتهم.
وفي حديثنا مع الدكتور رشيد عن هذا الشهر الكريم وكيف يستقبله المسلمون في أجواء مختلفة عن أجواء بلادنا العربية والإسلامية قال: «رغم مضي أكثر من 25 سنة على اغترابي في هذه البلاد، لن أنسى مدى حياتي، الأجواء الرمضانية التي كنا نحتفل فيها بمقدم هذا الشهر الكريم، سواء من جهة الاستعداد لتحري ورؤية هلال رمضان، أو لجهة الاجواء المفعمة بالمحبة والتآلف بين الناس، وهذا أمر نفتقده هنا، فالمسلمون جزء يسير من هذا المجتمع الكبير، فنحن نعيش في بلد يشكل قارة بأكملها تقريبا.
وظروف العمل لا تسمح لنا القيام بكل ما نود ان نقوم به، فمثلا لن أنسى صوت مدفع الإفطار واجتماع العائلة والأقارب للافطار، ولن أنسى المسحراتي، ولن أنسى صوت الأذان من مآذن مساجد القاهرة والحياة التي تنبعث في هذا الشهر الفضيل، وتستمر حتى موعد السحور والإمساك، ولن أنسى جموع المصلين الذين يملأون المساجد، ولكن، ومع كل ذلك، فإننا نقوم هنا بكل ما نقدر عليه لخلق الأجواء الرمضانية، حيث تزداد الزيارات للأصدقاء وعائلاتهم، والاجتماعات، واللقاء في المسجد كل يوم تقريبا.
حيث نتعارف ونتداول في شؤوننا، وكما ترى، نحن هنا في المركز الإسلامي بواشنطن، يحضر أبنائي معي لأداء الصلاة، ومعها صلاة التراويح وقيام الليل، وقد حرصنا أنا وزوجتي، على تنشئتهم نشأة إسلامية رغم أنهم ولدوا وكبروا في هذا البلد، وقد أردناها نشأة تتعايش بسلام وانسجام مع المجتمع الذي يعيشون فيه، وان اختلفوا معهم في الديانة التي يعتنقونها.
نادية القطب المتخصصة الكيميائية في مجال البيئة، وتعمل في إحدى الشركات الأميركية الكبرى، قالت لـ «البيان» التي التقتها في مسجد دار الهجرة في مقاطعة فيرناكس بشمال ولاية فيريجنيا، لأداء صلاتي العشاء والتراويح، «ان استقبالنا لشهر رمضان الفضيل واحيائنا له يختلف عنه في بلادنا لاسباب واضحة للجميع فالمجتمع الأميركي مجتمع غير إسلامي، لكنه يتصف بالتسامح واحترام الأديان الأخرى.
ونحن نحرص عند مقدم هذا الشهر الفضيل، بأن يتم احتفالنا به في أجواء قريبة إلى الأجواء التي عهدناها في بلادنا، فأنا فلسطينية أقيم في هذا البلد منذ 20 عاما، لم أحس بالأجواء التي كنا نستقبل فيه هذا الشهر الفضيل، ولا أجواء رمضان، وأجواء التعبد والصلاة واجتماع العائلات والأقارب لكننا نحرص على إيجادها ما أمكن.
وقالت القطب: كما ترى نحن هنا في مسجد دار الهجرة، وكما ترى أعداد المسلمين الكبيرة، المجتعة، ففي هذه المنطقة يعيش عدد كبير من المسلمين من السعودية والإمارات والكويت ومصر وفلسطين ولبنان، يحرصون على الحضور للمسجد.
وعلى تبادل الزيارات العائلية، وتقوم الجاليات والعائلات المسلمة بإقامة موائد الإفطار بالتداول ليتعارف المسلمون على بعضهم، وهناك شيء آخر فمثلا تقوم الجالية الإسلامية المصرية، والعائلات المصرية المسلمة، وغيرها من العائلات من جنسيات أخرى، بعقد أو إقامة ندوة بعد تناول الإفطار، تتناقش فيها شؤون وهموم الجالية وتقدم الحلول والمساعدات الممكنة.
وتتفق القطب مع ما قاله الدكتور رشيد، بخصوص ظروف العمل والصيام فقالت: نحن نعمل 8 ساعات يوميا، ومع ذلك فإنها لا يمنعنا من الحرص على الاحتفاء بهذا الشهر الفضيل واحيائه عبادة وتقربا إلى الله وتقديم العون للآخرين، وكما ترى فإن ظروف العمل لم تمنع هذا الحشد من المسلمين، من مختلف الجنسيات من المجيء إلى المسجد لأداء صلاة العشاء والتراويح التي تستمر حتى وقت متأخر من الليل، وهو جو ومنظر يبعثان على الراحة والشعور بالتآلف والوحدة بين المسلمين.
وعن تعامل الأميركيين غير المسلمين في العمل مع زملائهم المسلمين قالت القطب: في القسم الذي أعمل فيه، يوجد ستة مسلمين من جنسيات مختلفة، لم يشعر أي واحد منا بأية مضايقة، بل على العكس من ذلك، يقدرون ويحترمون عقيدتنا وديننا، وصيامنا، فإذا أراد أحد أن يأكل أمامنا، يستأذن ويقول انه يود ألا يكون بأكله قد آذى مشاعرنا».
هدى جميل سليم التي التقيناها في دار الهجرة أيضا، أشارت إلى شيء قالت إنه في السنوات القليلة الماضية، يقربنا من الأجواء الرمضانية في بلادنا، وهو ما نفتقره هنا» وقالت سليم وهي لبنانية تعيش مع زوجها وأبنائها الثلاثة، منذ أكثر من 15 عاما، «من المستحيل أن تتوفر الأجواء الرمضانية في هذه البلاد، لكن الفضائيات العربية، تعوض بعض الشيء، فنحرص.
واعتقد أن جميع العائلات المسلمة كذلك، على مشاهدة البرامج الدينية والمسلسلات التي تقدمها الفضائيات في هذا الشهر المبارك، اذ تجعلنا نعيش تلك الأجواء التي افتقدناها ولو بنسبة معينة، وأتمنى لو يرتقي القائمون على تلك البرامج والمسلسلات بمستواها إلى حد أفضل مما هي عليه».
وقالت سليم: «منذ اغترابنا، حرصنا أنا وزوجي على أن يتعلم ابناؤنا اللغة العربية، فهي لغة القرآن الكريم، كما حرصنا في شهر رمضان المبارك، ان يدركوا معنى الصوم والحكمة الإلهية منه، وهو إحدى الوسائل الربانية للشعور مع الآخرين المحرومين، وانه وسيلة لترويض النفس على الصبر والتحمل والعبادة، وانه ليس فقط امتناع عن الأكل والشرب.
ومنذ صغرهم كنت أحرص على ان أجلس معهم ونتلو القرآن، ونتدبر معانيه ما أمكننا ذلك. وحرصت على ان يحفظوا من سور القرآن الكريم ما يقدرون عليه، ولله الحمد فالآن كبروا، وهم يجيدون اللغة العربية، وحريصون على دينهم دون تزمت أو تشدد، واثنان منهما يعملان في شركات أميركية مرموقة، دون أي حرج أو متاعب، والثالث على وشك التخرج من الجامعة.
وهو الآخر مطمئن إلى دينه وربه، وهذا من فضل الله. واتفق الثلاثة سليم والقطب ورشيد بأنه ليس من الضرورة في عالم اليوم، حيث التقدم العلمي، الاستمرار في تحري هلال رمضان بالعين المجردة، بل علينا اعتماد الأساليب العلمية الحديثة، هو أمر لا يتناقض مع الدين إطلاقا، واتفقوا أيضا على ضرورة أن يوحد المسلمون الأميركيون بدء الصيام، لا أن يصوم المسلمون حسب بدء الصيام في بلده الأصلي الذي جاء منه.
واتفق الثلاثة، ومن خلال تجاربهم، على أن الأميركيين غير المسلمين يحترمون ويقدرون الإسلام، ويهنئونهم بهذه المناسبة، وبمناسبة عيد الفطر وعيد الأضحى، وان قالوا ان هناك أميركيين، كما نشاهد ونسمع أحيانا في برامج إذاعية لا يتفهمون الإسلام ويتطاولون على دين لا يعرفون في الحقيقة.
وأشارت سليم، إلى النشاطات التي يقوم بها في هذا الشهر الكريم، الطلاب المسلمون واتحاداتهم في الولايات المتحدة، وهي نشاطات داخل الجامعات وخارجها، ومن تلك النشاطات المسابقة الرمضانية السنوية التي بدأت منذ بضع سنوات وهي «حي على الصيام» في جميع أنحاء الولايات المتحدة وكندا، وشاركت فيها حوالي 150 جامعة وكلية.
ونظمها اتحاد الطلاب المسلمين. لاختبار القدرة على التحمل والصبر وزيادة الوعي بمشكلة الجوع التي يعاني منها الملايين في العالم. وإظهار الوعي لفهم مغزى الصيام وحكمته. وتعريف الطلبة غير المسلمين بشهر رمضان وحكمته. وقالت: إن المسابقة شارك فيها طلاب غير مسلمين، بالصيام لمدة يوم واحد.
وذكرت سليم، التي شاركت في تنظيم هذه المسابقة قبل سنتين في الكلية في المنطقة التي تعيش فيها، أن أحد الطلاب الأميركيين غير المسلمين الذي شارك في المسابقة وصام يوماً واحداً، قال:
إن التجربة جعلته يطلع على المعتقدات الإسلامية، والتضحيات التي يقدمها المسلمون، وجعلته يدرك معنى توفر نعمة غير متوفرة للآخرين. كما أن الحوار الذي دار بعد الإفطار، جعله يدرك أن من السهل التغلب على سوء الفهم تجاه الآخر. وإنه اكتسب قدرة أكبر على فهم المسلمين.
ومن مظاهر إحياء المسلمين النشاط الواسع الذي يقوم به (مجلس العلاقات الإسلامية ـ الأميركية) (كير) إذ يحرص المجلس، وهو أكبر المنظمات الإسلامية ـ الأميركية على مضاعفة جهوده ونشاطه الذي لا ينقطع على مدار العام، ففي هذا الشهر الكريم يقوم (كير) بحملة واسعة للتواصل مع سائر شرائح المجتمع الأميركي، ودعوة غير المسلمين لمعرفة المزيد عن القيم والمبادئ الإسلامية.
وفي نطاق هذه الحملة برنامج «المشاركة في رمضان، إضافة إلى برنامج وحملة كان بدأها وهي «اكتشاف معاني القرآن»، وهي حملة إضافة إلى نشاطه المتعاظم في رمضان. وقد قام (كير) في هذه الحملة بتوزيع نسخ القرآن مجاناً لمن يطلبها مترجمة إلى اللغة الإنجليزية، ومتضمنة في الوقت نفسه النص العربي.
واشنطن ـ محمد صادق
