أكد المفكر الإسلامي د. أحمد كمال أبو المجد نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان المصري، في الملتقى الفكري الإسلامي لوزارة الأوقاف المصرية، أن بأس المسلمين على أنفسهم أشد من بأسهم على عدوهم. فعلى امتداد العالم الإسلامي والعربي، من المشرق إلى المغرب .
ومن الشمال إلى الجنوب، يعيشون في حالة حيرة وقلق واضطراب، لدرجة وصلت إلى عدم رضاهم حتى عن أنفسهم. ومبعث عدم الرضا أنهم لا يملكون حتى الإجابة عن التساؤلات التي تقارن بين أحوالهم وصورتهم أمام الآخر، فقد وصفهم المولى عز وجل بأنهم «خير أمة أخرجت للناس» و«وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا».
وهذه هي الصورة التي من المفترض أن يكون عليها المسلمون، ولكن الواقع يرصد عكس ذلك تماماً، أمة تعاني من الضعف والحيرة والتهميش، والدنيا كلها تميل عليهم كما تميل الأكلة على قصعتها، تتهم هذا وتشك في ذاك.
لدرجة وصلت إلى تشويه رسالة الإسلام والتطاول على ذات الرسول بما لا يليق. وتساءل د. أبو المجد: ما هو السبيل للخروج من هذه الأزمة؟ فالمشاكل تزاحمت علينا، والهموم أثقلت كاهلنا، وأصبحنا أمام خمس إجابات لخمسة أسئلة مقترحة ومطروحة، أولها: ما هو الإسلام الذي نعتز به ونريد أن نرفع رايته، ونعلي قيمته وشأنه؟
والسؤال الثاني: ما هي قيمة ما تركه أسلافنا لنا من معارف وأقوال وأفعال؟ وما هي درجة التزامنا بها؟
والثالث: هل الإسلام حقيقة؟ أم في جوهره دعوة أبدية للرشد والصلاح والسعادة، والسؤال الرابع: الحضارة التي ورثنا فيما ورثناه منها خصومة، تجارب، وتعارض بين الفعل والمنطق، هل لابد أن نعيش في ظلها؟ والسؤال الأخير: ما هي وسائل دعوة المسلم إلى الإسلام في هذا الزمان؟
رسالة جامعة
وأشار المفكر الإسلامي إلى أن الإجابات نوردها مجتمعة في أن الإسلام هو دين الله المُنزل بالوحي على أنبيائه ورسله، وهو دعوة إلى الإيمان بالله وحده، وإلى التصديق برسله وباليوم الآخر يوم يجزي الله كل نفس بما كسبت، ويوم تُرد الأعمال إلى أصحابها، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره.
ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، والإسلام دعوة إلى إقامة الحق والعدل والرحمة والتكافل بين عباد الله، هذه الدعوة جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وجمع القرآن أصولها ومبادئها في العدل والتوحيد والشريعة والأخلاق، وعلى المسلمين أن يدركوا ذلك، خاصة وأن كلمة الإسلام تشمل في عمومها المصطلح القرآني «دعوة إبراهيم وشريعة موسي ورحمة عيسى»، وما جاء به الأنبياء لا نفرق بين أحدٍ منهم، ولا نفرق بينهم، ونحن له مسلمون.
ويشير أبو المجد إلى أنه من الخطأ أن نقول نحن المسلمين شعب الله المختار، وإنما نقول بمخلوق الله المختار، الذي كرمه، وترتب على تكريمه منح الإنسان كنه الأشياء، وهو ما يشير إليه قوله تعالى «وعلم آدم الأسماء كلها» وأنه أيضاً منحه إرادة الاختيار «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر»، فمن العلم والإرادة جاء التفضيل، ومن هذا التفضيل جاءت المسؤولية.
ومن هنا جاءت الأمانة التي حملها الإنسان وأشفقت من حملها السماوات والأرض والجبال. وهذا التكريم له ترجمة في الحياة الاجتماعية والسياسية، فأنت لا تكره أحداً على شيء ولا تمتهن كرامة أحد، فالإنسان كرمه ربه، مسلم وغير مسلم، وعلينا الحفاظ على آدميته، وصون كرامته وحقه في التعبير.
وأن يصان دمه وعرضه وماله، وكانت آخر وصايا الرسول الكريم قوله: «أيها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلى يوم القيامة، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في عامكم هذا».
وأشار د. أبو المجد إلى أن المسلم لا يحتاج إلى شهادة أحد أو إلى وساطة أو وصاية حتى يصح إسلامه، فهو مسلم إذا آمن بالله وصدق برسوله، شهد ذلك كله بلسانه وعقله وقلبه، وحسابه بعد ذلك على الله وحده، ولا يكفر مسلمٌ بمعصية مهما كانت. أما عن التراث الإسلامي فيؤكد أن أنه مجموع ما وصل إلينا نوعان:
تراث يوحي به قرآن وسنة وسيرة محفوظة لرسول الله الكريم، وتراث، اجتهادي لفرد أو سلوك جماعة قد يصيبون وقد يخطئون، ونحن هنا مخيرون في أن نأخذ أو نترك، والمعيار هنا لصالح العباد التي تختلف باختلاف الزمان والمكان والأحوال، فمساحة النقل صغيرة، ومساحة العقل كبيرة، والتراث بعد رسول الله به الكثير، وهنا لابد أن نأخذ ما يناسبنا ونترك ما لا يناسبنا، ولكن أن نجهد عقولنا فذلك عقمٌ وتقصير لا يرضى الله عنه.
ويؤكد د. أبو المجد أن العقل هو نعمة الله على عباده، والنقل رحمة الله بعباده ليكمل بشهادته شهادة العقل، ومن هنا يستحيل أن تتصادم رحمة الله التي هي النقل والنصوص مع نعمة الله التي هي العقل، داعياً المسلمين في الداخل والخارج لأن يعرفوا واقع الناس وهمومهم، وأن ييسروا ولا يعسروا، وطالبهم بإشاعة البهجة، وجعل الدعوة إلى الإسلام أمراً تسعد به الناس والنفوس وتطرب له القلوب، فإن الخزي لا يبني الحضارات.
وطالب «أبو المجد» دعاة الإسلام في الخارج بالاندماج مع الناس، ومد يد العون للآخر، فإن الدعوة إلى العزلة مهما كانت مبرراتها ومحاذيرها لا يصلح بها دين، ولا ينصلح بها حال الأمة، فالإصرار على هذه العزلة أصابنا بكارثة تمثلت في قيام الصهاينة بإقناع العالم المسيحي أن اليهودية والمسيحية كيان واحد، والمسلمين والإسلام هم الدخلاء والغرباء.
وإذا اختلف المسلمون مع أمة أخرى فليتحد اليهود والمسيحيون معاً لنصرة بعضهم، ورفع أبو المجد شعار «آن الأوان للاتحاد والتعارف والتنوع» حتى نستطيع إعلاء شأن الإسلام والمسلمين.
القاهرة ـ وكالة الصحافة العربية:
