يقول الله تعالى: «ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا تتخذون أيمانكم دخلاً بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون» (النحل:92).
لقد أمر الله بالوفاء بالعهود فقال: «وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً إن الله يعلم ما تفعلون» (النحل:91)، وقال: «وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا» (الإسراء:34).
هذه الوصايا القرآنية تحث على الوفاء بالعهد، وتحذر من عدم الوفاء به، فآية المثل التي نتحدث على ضوئها جاءت عقب الوصية القرآنية، وهذا الأمر المعقول عندما يصور بشيء محسوس يقترب من الأذهان ويصبح ماثلاً أمام العيون.
وسواء كانت هذه المرأة التي ضرب بها المثل في عملها الأخرق في مكة أو عامة، فإن المعنى المراد تصويره يتضح في الأذهان بما لا يقبل الشك أو الريب، وبالتالي يعلم الإنسان أن نكث العهد، ليس بالعمل السهل الذي يظنه أو يهيأ له، وإنما هو عمل يحمل بين طياته من المتاعب الجسدية والنفسية ما لا تحمل، فما قيمة عمل لا يتم إلا ليهدم؟
وما مبلغ الجهد في بنائه ثم هدمه، إنه جهد مبعثر لا طائل من ورائه ولا جدوى منه، وليست له منفعة، ويا ليت الأمر كان قاصراً على عدمه، وإنما هي المتاعب المضاعفة. فهذا الجهد الذي تقوم به هذه المرأة الحمقاء الخرقاء إن هو إلا جهد ضائع، وعمل لا ثمر له، وإذا كان الشاعر قد عاب على من يبني بنياناً ويأتي غيره ليهدمه، فقال:
متى يبلغ البنيان يوماً تمامه
إذا كنتَ تبنيه وغيرك يهدم
كذلك ناقض العهد، صورته كصورة هذه الحمقاء، فمن عرف هذه الصورة كيف يقْدِم على نقض العهد؟ إنها صورة تنَفِّر من نكث العهد وتحذر من نقصه. يقول الحكيم الترمذي: مثل الذي ينقض العهد كمثل الغزل الذي نقضت تلك المرأة الحمقاء، حيث كان لعمرو بن كعب بن سعد بنت تسمى ريطة، وكانت إذا غزلت الصوف أو شيئاً آخر نقضته لحمقها فقال:
ولا تنقضوا، أي لا تنكثوا العهود بعد توكيدها، كما نقضت تلك الحمقاء غزلها من بعد قوة من بعد إبرامه، موضحاً أن أنكاثاً: يعني نقضاً، فلا هو غزل تنتفع به ولا صوف ينتفع به، فكذا الذي يعطي العهد ثم ينقضه لا هو وفَّي بالعهد إذا أعطاه ولا هو ترك العهد فلم يعطه. ويقول القرطبي: شبهت هذه الآية الذي يخلف ويعاهد ويبرم عهده، ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكماً ثم تحله.
ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مُرّة كانت تفعل ذلك، فَبِهَا وقَع التشبيه قاله الفراء، وحكاه عبد الله بن كثير والسُّدِّي ولم يسميا المرأة. وقال مجاهد وقتادة: وذلك ضرب مثل، لا على امرأة معينة. ويحكي النيسابوري عن ابن قتيبة قوله: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير: هذه الآية متصلة بما قبلها والتقدير:
«وأوفوا بعهد الله ولا تنقضوا الأيمان» فإنكم إن فعلتم ذلك كنتم مثل امرأة غزلت غزلاً وأحكمته ثم جعلته أنكاثاً، فعلى هذا المشبه به امرأة غير معينة ولا حاجة في التشبيه إلى أن يكون للمشبه به وجود في الخارج. أما الطبري، فقد ذكر روايات عديدة دون أن يشير إلى اسم المرأة غير قوله: امرأة حمقاء معروفة بمكة.
وأشار إلى أن هذا مثل ضربه الله لمن نقض العهد فشبهه بامرأة تفعل هذا الفعل دون أن يحدد اسم المرأة. «وغزلاً»: مصدر بمعنى مغزولاً، ويعلل الألوسي لرأيه الأرجح، وهو عدم ذكر المرأة فيقول:
ولم يرِد بالموصول امرأة بعينها، بل المراد من هذه صفته، ففي الآية تشبيه حال الناقض بحال الناقض في أخس أحواله تحذيرًا منه وإن ذلك ليس من فعل العقلاء وصاحبه داخل في عداد حمقى النساء، وأشار إلى الرأي الآخر بقوله: وقيل امرأة ملعونة عند المخاطبين كانت تغزل فإذا برمت غزلها نقضته وذكر عدة أسماء لها نسبها إلى قائليها. والمراد بهذا التعبير:
«ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها» تشبيه الناقض للعهد بمن هذا شأنه، وهو تشبيه يوحي بالتنفير، إن التصوير القرآني لناقض العهد بهذه الصورة المزرية جعل الأمر المعنوي ممثلاً أمام الأعين. فمن يرى امرأة تقضي وقتها في جمع الصوف والوبر ثم تغزله.
وبعد الفراغ من غزله تنقضه مرة أخرى وتعيده إلى قطع الصوف أو الوبر الذي لم يغزل ثم تعيده وهكذا، إنها صورة قليل في حقها البله والغفلة، وإنما هي صورة تدل على الحماقة والخرق، وهذا شعبة من الجنون، والجنون فنون، فإذا ما عرف ناقض العهد أن نقضه للعهد كانت صورته كهذه المرأة لا شك أن هذا وصف منفر زاجر.
والتشبيه الذي يراه القارئ أو يحس به السامع من تشبيه نقض العهد بهذا الغزل المنكوث بعد أن رآه مُبْرماً مُحْكَم الفتل صورة محسوسة مرئية منتزعة من البيئة، فقد شاهد أهل مكة ومن جاورهم المرأة الحمقاء التي نقضت غزلها من بعد إبرامه، وهذه صورة تشعر بالاحتقار والازدراء لناقض العهد الذي تنكر للعلاقة الإنسانية التي هي عنوان الإنسان المهذب الحريص على دينه، الملتزم بكلمته، المتمسك بعلاقته بمن يعاهدهم وأكد العهد معهم. والمجتمع الإسلامي إذا ساد فيه هذا الاضطراب من نقض العهود والأيمان فماذا يكون؟
لقد ضاعت القيم الفاضلة، وانتهت المعالم الكريمة، إن هذه الصورة حذرت من نقض العهود وحثت على الوفاء بالوعود، وكانت تعبيراً مشاهداً مرئياً لا يحتاج إلى دليل.
«وكالة الصحافة العربية»