(محمد غنوم) فنان تشكيلي سوري من مواليد دمشق عام 1949. درس الفنون الزخرفية في كلية الفنون الجميلة بدمشق وتخرج فيها عام 1976، ثم تابع تخصصه العالي بالفن الإسلامي في الاتحاد السوفييتي السابق.

توجه إلى الحروفية منذ بداية تجربته الفنية منتصف سبعينات القرن الماضي، ولا يزال يخوض هذا الغمار حتى اليوم، بكثير من الهمة والنشاط في الإنتاج والعرض. أقام العديد من المعارض الفردية داخل سوريا وخارجها، وهو دائم المشاركة في المعارض الجماعيّة. في تجربته عموماً، يأخذ الفنان محمد غنوم، حرفاً عربياً، أو كلمة كاملة، ثم يقوم بتكرارها فوق سطح اللوحة التي ينفذها بألوان الزيت، وبشيء من التداخل المتدرج الإيقاع، المختلف الوتيرة، وضمن تجمعات حركية قد تأتي من أسفل، أو قد تعبر من طرف إلى آخر، أو قد تأخذ شكلاً متفجراً، يبدأ من نواة وسط اللوحة، ثم يدور حول هذه النواة، تماماً كما هي المجرات في السماء.

وقد يأخذ حركة الريح أو الزوبعة التي تبدأ حركتها في أحد أركان اللوحة، ثم تخرج من ركن آخر، بعد أن تترك مجموعة كبيرة من الحروف المرسومة بإيقاع مموسق، وبألوان كثيرة، بينها الحار والبارد، الفاتح والغامق.هذه الكتل الحروفية المنفذة وفق القواعد والنظم الكلاسيكية التي يجيدها الفنان غنوم، قد تتنامى صعوداً مباشراً إلى أعلى، أو تترنح كلهب يميناً ويساراً، وقد تتبعثر كالغيوم الشاردة هنا وهناك، من سماء اللوحة ذات اللون الواحد.

وهذه الحروف والكلمات لا يرصفها الفنان بلون واحد، بل يُنوّع في ألوانها، وقد يمد بينها أو تحتها، مساحات لونيّة صماء (طلس) فضية أو ذهبية أو غير ذلك من الألوان الحارة والباردة.

وهو لا يتوانى عن استعمال الألوان الإعلانية المتضادة، في سبيل خلق حركة جديدة تدعم حركة الحروف والكلمات، غير الخاضعة بدورها لاتجاه الكتابة العربية المتجه من اليمين إلى اليسار. فالحرف أو الكلمة عنده، تأتي تارة من اليمين إلى اليسار، وتارة أخرى من فوق إلى أسفل، أو العكس. وتارة ثالثة، تراها تأتي من اليسار إلى اليمين، وهي هنا أو هناك، قد تكون ضمن الوضع الطبيعي أو مقلوبة رأساً على عقب.

الفنان محمد غنوم يعتمد الحرف العربي والكتابة العربية، عنصراً أساسياً في منجزه الفني. به يرسم، وبه يشكّل، وبه يلوّن، وبه يقيم عمارة اللوحة بكاملها، هذه العمارة التي تأخذ جزءاً من مساحة اللوحة أحياناً.

وتأخذها بكاملها، أحياناً أخرى. في الحالة الأخيرة، يلجأ الفنان من أجل إشادة تكويناته الحروفية، إلى التنويع بثخانة الحرف. بتكبيره أو تصغيره، وقد يلجأ إلى تطعيم التكوين ببعض الزخارف الهندسية، في محاولة منه لتغيير حركة إيقاع التكوين وكسر رتابته وجموده المتأتي من التكرار المبالغ فيه للحرف الواحد، أو الكلمة الواحدة.

أما لناحية المضمون، فالفنان غنوم يرى أن استخدام كلمة ما، ذات دلالة محددة، بأكثر من طريقة في اللوحة الواحدة، وتكرارها بغزارة، فهذا يغني الموضوع الذي ترمي إليه اللوحة.

المتابع لتجربة الفنان الحروفي محمد غنوم، لا بد أن يلحظ التطور الكبير الذي حققته، إن على صعيد التقنية والشكل، أو على صعيد المضمون الذي بدأ يتكامل مع الصياغة، التي ظلت واحدة لديه، منذ بدأ تجربته قبل ما يربو على ثلاثين عاماً وحتى اليوم، وهي تكرار الحرف أو الكلمة، بإيقاعات وألوان وثخانات مختلفة، لتشكل في النهاية، معمار اللوحة المموسق بجماليات الحرف العربي ومطواعيته اللينة، المنسابة، والمعبّرة.

د. محمود شاهين