في وقت أصبح العالم كله يتحرك نحو الوحدة والاندماج السياسي والاقتصادي، فهناك التكتل والتوحد الأميركي، أيضاً هناك التكتل الأوروبي، نجد الأمة العربية والإسلامية على النقيض تماماً، متفرقة غير موحدة الصف أو الكلمة، مع أنها الأولى بالوحدة والاندماج، لأنها تمتلك الأسباب التي تؤدي إلى خلق كيان عربي إسلامي كبير يمكنه مواجهة التحديات العالمية، أهمها نصوص القرآن والسنة التي تؤكد وحدة الأمة الإسلامية وتميزها عن سائر الأمم.
فلماذا ـ رغم توافر مقومات الوحدة، نرى المسلمين متفرقين في هذه الأيام؟ وما هو السبيل إلى وحدة إسلامية تعيد للأمة خيرتها وتميزها وترد إليها هيبتها؟ هذه الأسئلة وغيرها طرحتها «وكالة الصحافة العربية» على عدد من المفكرين الإسلاميين في محاولة للإجابة عنها من خلال هذا التحقيق.
المفكر الإسلامي د.محمد عمارة يرى أن وحدة الأمة تصل في الرؤية الإسلامية إلى مرتبة الفريضة الدينية «إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» وهذه الوحدة في الأمة، التي هي من ثمرات التوحيد الديني، تبلغ في القرآن الكريم مرتبة «الآية» من آيات الله في الاجتماع البشري.
ومنزلة «النعمة» العظيمة التي أنعم الله بها على عباده، فيجب أن يحافظوا عليها، حتى يستطيعوا شكر النعم التي أنعم الله عليهم بها «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون».
وأشار إن هذه الأمة ـ التي تعني الجماعة في مصطلح العربية ـ لم يقف نطاقها، وتتوقف حدودها عند «أمة الدين» ولا «أمة العرق، أو اللون أو اللسان ـ اللغة»، فعالية الإسلام قد جعلت للأمة في مفهومه وحضارته أبواباً دائمة الانفتاح، لتكون الأمة دائمة الاستيعاب، ومستمرة في التحقيق عبر المكان وعلى مر الزمان.
أضاف د. «عمارة» أن الأمة بدأت بصاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام، وعبر العشيرة، فالقوم ثم القبائل والشعوب والأقوام، وفي استيعاب لأهل الكتاب بل وأهل الديانات الوضعية ـ أو الإلهية التي فقدت كتبها الدينية، فعبر هذه الدوائر والحلقات استمرت الأمة في التاريخ الحضاري الإسلامي.
وعلى امتداد عالم الإسلام، دائمة التحقيق والانفتاح والاستيعاب، فوحدة الأمة ـ التي تتسع لتعدد مللها ونحلها ـ هي القاعدة، والحضارة الإسلامية الموحدة ثقافتها لمختلف الملل المكونة للأمة الواحدة، هي السياج الذي يميز الأمة حضارياً عن غيرها من الأمم، لقد اختار الله هذه الأمة واصطفاها على سائر الأمم.
وخصها بأشرف الرسل صلوات الله وسلامه عليه وأعظم الشرائع، ولم يكلفهم ما لا يطيقون بل خفف عليهم في سائر العبادات من قصر للصلاة وجمع وأداء لها في جلوس للمريض الذي لا يستطيع القيام، ومن الإفطار في رمضان لمن كان مريضاً لا يستطيع الصوم، وهكذا.
رابطة العقيدة
ويقول المفكر الإسلامي د. أحمد عمر هاشم إنه من واجب الأمة أن تكون شاكرة لربها قائمة برسالتها مجاهدة في الله حق جهاده قائمة بما أوجبه عليها من صلاة وزكاة وغير ذلك من حقوق الله وحقوق العباد، ومن العبادات البدنية والعبادات المالية.
وواجب الأمة الإسلامية أن تعتصم بالله وأن تستعين به وحده لا شريك له، فمنه التأييد وبه تكون القوة، وهو وحده الحافظ والناصر «واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير»، فالاعتصام بالله يعني أن نرتبط برابطة العقيدة التي تسري في الروح والوجدان سريان الدم في العروق، وأن نطبق شريعة الله في أرضه وننفذ أحكام الإسلام ونوحد الاتجاه إليه.
وأضاف «هاشم» أن الأمة الإسلامية لا يليق بها أن تتفرق أو تتنافر وتتطاحن، وإنما يملي عليها دينها وتقتضيها عقيدتها أن تعتصم بالله وأن تقف يداً واحدة في وجه أعدائها الذين يمكرون بها ويتربصون بها الدوائر.
ويوم أن تعتصم بالله آخذة دورها في الحياة، ومؤدية رسالتها المنوطة بها، يومها سيمن الله عليها بالنصر والفتح المبين، فالتمايز في الشرائع الدينية في إطار «وحدة الحضارة» التي تجسد وحدة الأمة الجامعة لمللها ونحلها التي تتساوى في حقوق وواجبات المواطنة،.
وتتناصر أمام الذين يفتنون أبناءها في الدين أو يخرجونهم من الديار أو يظاهرون على هذا الإخراج واليوم، وفي مواجهة التكتلات الكبرى ذات التوجهات الحضارية المغايرة، وأمام هيمنة القوة المتغطرسة التي تفتح في سياجنا الحضاري العديد من ثغرات الاختراق، تتزايد أهمية استدعاء هذا الإطار الفكري لقضية الوحدة.
أمة منقسمة
أما د. أحمد كمال أبو المجد المفكر الإسلامي فقال : نحن جميعاً نعلم قوله تعالى «وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون»، ولكن ما يقرره الكتاب شيء، وما عليه حال الأمة الإسلامية شيء آخر، ولكن، متى تخلق المسلمون تخلقاً كاملاً بما أمر به نبيهم وجاء في كتاب ربهم فسوف تتوحد كلمتهم، إن واقع الأمة الإسلامية يقول :
إنها منقسمة على نفسها حكاماً ومحكومين، ولا ينكر ذلك أو يهون منه إلا مكابر فإذا نظرنا إلى خريطة العالم الإسلامي سنجد نزاعات قطرية تلفها من أولها إلى آخرها، ولا أكاد أعرف قطرين بينهما مودة تمتد طويلاً، فهل هذا حال الأمة التي أراد لها ربها أن تعتصم بحبل الله وأن تكون كالبنيان المرصوص؟
اللهم لا، إضافة إلى ذلك فنحن منقسمون ثقافياً فمنا من هو مولع بالغرب، ومنا مؤمنون بأن آخر هذه الأمة لا يصلح أمره إلا بما صلح أوله، ومنا دون ذلك، والمعارك الأهلية الثقافية دائرة رحاها، لا يوجد إجماع واتفاق وجداني وعقلي بين أبناء هذه الأمة.
وشدد د. «أبو المجد» على ضرورة الخروج من إسلام السكون إلى إسلام الحركة، ومن إسلام الكلام إلى إسلام الفعل، ومن إسلام التشرذم والخلافات إلى إسلام الوحدة، في عصر باتت فيه الوحدة أمراً لا فرار منه.
ومن جانبه أكد د. محمد عبدالمنعم البري من علماء الأزهر الشريف أن العالم الإسلامي فرق بنفسه بين مفهوم الأمة، وتفرق في الدين إلى مذهبيات واختلافات ما أنزل الله بها من سلطان فحين خاطب القرآن الكريم أتباعه بأنهم خير أمة أخرجت للناس حدد مهمتهم في الآية الكريمة «كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله»، فالقرآن يحدد معالم الإطار الشامل للرسالة الخاتمة الباقية عبر الزمان والمكان، ويفترض أن يكون أتباعها القائمون بالتعديل والتصحيح على السلوك الإنساني كله في كل أنحاء العالم، حتى يكون الدين كله لله، ويعيش الناس جميعاً مستظلين بالعدل وبالدين الحق.
وأضاف البري: وإذا كان سلفنا الصالح في عصر النبوة والراشدين قد استطاعوا أن يقيموا الدولة، وأن يبنوا الأمة على معالم الدين الحنيف، وقدموا للعالم النموذج الأمثل للعطاء الحضاري للإسلام، فإن علينا أن نسأل أنفسنا، هل نحن اليوم أمة؟
وإذا كان الجواب بالنفي، فهل يجوز لمفكر أو لأي مهتم بالمستقبل أن يتصور إمكانية قيامنا بالدور الذي ناطه بنا القرآن، ويجيب: إننا كما مزقنا بأيدينا مفهوم الأمة، وفرغناه من مضمونه، مزقنا أيضا، وبأيدينا مفهوم الدين إلى مذهبيات واختلافات لم يعرف الإسلام لها طريقا فأصبح اهتمامنا بالشكليات، وتركنا الجوهر.
ويرى البري : أن الخروج من هذا المأزق بوجوب التعاون فيما اتفقنا عليه، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه، حتى يتسنى لنا أن نتصدى للحملات الإعلامية التي يشنها أعداء الإسلام في الغرب وفي الشرق، ولذلك فعلى الأمة الإسلامية والعربية توحيد صفوفها من أجل أن تقف صفاً واحداً ـ ولو مرة واحدة ـ ضد هذا العدوان الذي هو في أساسه حضاري وعقائدي، وأعتقد أنه عندما يعود المسلمون ليقفوا بأقدام ثابتة على أرض الإسلام.
فإنهم سيعيدون للإسلام وللأمة الإسلامية مسيرتها الأولى نحو التقدم الحضاري والرقي فالمسلمون اليوم مطالبون بالعودة إلى منهج الله، وتجاوز كل العقبات التي تعترض طريقهم، فإذا عادوا مكن الله تبارك وتعالى لهم في الأرض، وإن تعاندوا فسوف يلقون أشد الأزمات حتى يعودوا إلى الحق.
عودة إلى العزائم
ويدعو المفكر الإسلامي د. عبد الصبور شاهين: المسلمين إلى ضرورة العودة إلى العزائم والتماس أسباب التمكين وامتلاك التقدم وتصحيح كثير من الأوضاع الاجتماعية التي دفعتهم إليها الحضارة الغربية مثل التطلع إلى المادة والترف، والتماس مصادر الحرام والنزوع إلى الإسراف والمتعة المادية.
وتجاهل الخطر المحدق الذي يعمل على احتواء المسلمين ومحاصرتهم، والحيلولة دون تمكنهم من امتلاك إرادتهم، وبناء مجتمعهم الرباني، وتوجيه ثرواتهم نحو بناء قوة اقتصادية إسلامية تكفل لهم استغلال موارده.
ويؤكد :أن ذلك لن يتأتى إلا بالعمل على إقامة وحدة جامعة بين كل العناصر الإسلامية الفاعلة في الحقل الإسلامي ـ عربية وفارسية، وتركية وهندية تستمد مقوماتها من المنهج الإسلامي الجامع الذي يجمع ولا يفرق، فالمسلمون بحاجة إلى تزكية الهوية الإسلامية الجامعة بين الهويات القومية والوطنية في دائرتها الكبرى حتى لا يجد خصوم الإسلام ثغرة ينفذون منها وليأخذوا من التاريخ عظة وعبرة.
وأضاف د. «شاهين» أن العالم كله الآن يتحرك نحو الوحدة والاندماج السياسي والاقتصادي، فهناك التكتل والتوحد الأميركي، وأيضا هناك التكتل الأوروبي، لذا فيجب علينا أن نعود إلى مبادئ ديننا الحنيف، وأن نواصل السير على المنهج العلمي للدعوة، ونقوم بتعريف العلوم السمعية الأصيلة لكافة الناس، ولابد من أن يكون ذلك مقرونا بإعادة وحدة الأمة، واستقامتها ليقتدي بها سائر البشر.
القاهرة: من وكالة الصحافة العربية