هو الإمام الوحيد بين أئمة الإسلام، الذي ظل إلى يومنا هذا يشغل الناس إن سلباً أو إيجاباً إذ تتفاوت الآراء فيه لدرجة رميه بالتجسيم والتشبيه والتمثيل في مقابل الاجتهاد والتجديد وأنه قيضه الله لتجديد دينه، وبعث نهضة أمة!
ومن جهة أخرى يذكر ابن تيمية إلى اليوم لأن الكتب التي ألفها في العقائد والأصول أحدثت دوياً هائلاً منذ وضعت وحتى اليوم، فما يفتأ الناس في مناظراتهم وأحاديثهم، قال ابن تيمية، أو قال شيخ الإسلام حتى إنهم يحكمون مقالاته في خلافاتهم اليوم، فمن يكون
انه تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن تيمية الحراني الحنبلي، ولد في العاشر من ربيع الأول سنة 661ه، ورحل والداه به وبأخوته إلى الشام عند قدوم التتار، وسروا بليل إلى دمشق، وكاد العدو يلحق بهم وهم في اضطراب النقلة لولا أن الله قدر ولخير الإسلام والعلم والدين أن تنجو هذه الأسرة ليكتب تاريخ الإسلام لهم صفحة ناصعة في خدمته، والقيام على رعايته!
ففي دمشق عكف الفتى على دراسة الفقه والحديث على والده وعلى غيره من الأساتذة، وكان الفتى نادرة في الذكاء والقدرة على الحفظ والفهم والاستنباط. وصار عجباً في سرعة الاستحضار وقوة الجنان، والتوسع في المعقول والمنقول، وقال الإمام الذهبي في ترجمته: «وكان يقضي العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف.
واستدل ورجح، وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه. وما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشد استحضاراً للمتون وعزوها منه.
وكان آية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه. وأما أصول الديانة، ومعرفة أقوال المخالفين، فكان لا يشق له غبار فيه. ولعل فتاويه في فنون العلم تبلغ ثلثمئة مجلد، بل أكثر، وكان قوالاً للحق، لا تأخذه لومة لائم، ومن خالطه وعرفه فقد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه فقد ينسبني إلى التغالي فيه.
وقد أوذيت من الفريقين، من أصحابه وأضداده. وأنا لا أعتقد فيه عصمة، بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية. فإنه كان مع سعة علمه، وفرط شجاعته، وسيلان ذهنه، وتعظيمه لحرمات الدين، بشراً تعتريه حدة وغضب، وشظف للخصم!
قرأ القرآن والفقه وناظر وهو دون البلوغ. وبرع في العلم والتفسير، وأفتى ودرس وهو دون العشرين، وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه، وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة وأكثر، وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين، فضلاً عن المذاهب الأربعة فليس له نظير، وقد خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل، صنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة، وأقام عدة سنين لا يفتي بمذهب!
واستمر ابن تيمية على ذلك حتى قام عليه العلماء بمصر والشام، فبدعوه وناظروه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق إذا أداه إليه اجتهاده، فجرت بينه وبين حملات شامية وأخرى مصرية، ورموه عن قوس واحدة، ثم نجاه الله تعالى، إذ كان دائم الابتهال، كثير الاستغاثة، قوي التوكل، رابط الجأش. وهكذا كانت جرأة ابن تيمية في الجدل والمناظرة سبباً في عداوة الكثيرين له من علماء المذاهب الثلاثة عدا المذهب الحنبلي!
ولما كان في القاهرة في ربيع الأول عام 669 ه، أفتى في مسألة جاءته من حماة عن صفات الله، بما ألب عليه علماء الشافعية، وأغضب الرأي العام، فكان جزاؤه الحرمان من منصب التدريس.
ومع ذلك عين في العام نفسه مرشداً للمقاتلين يحضهم على الجهاد ضد التتار. ولهذا السبب ذهب في العام التالي إلى القاهرة، وشهد موقعة انتصر فيها المسلمون على التتار بالقرب من دمشق!ولمواقف علماء المذاهب منه وشكايتهم للسلطان منه، حضر إلى القاهرة، ليشهد خمس مرات مجالس القضاة لمحاكمته على إعلانه رفضه لتأويل صفات الله.
وإنما الاكتفاء بإثبات الصفة مع لزوم التنزيه وأن الله ليس كمثله شيء في ذاته أو صفاته أو أفعاله، فهو سبحانه لا مثل ولا كفء ولا ند ولا شبيه له، وحكم عليه المجلس بأن يلقى هو وأخوه في الجب في قلعة الجبل، وبقي فيه سنة ونصف سنة، وفي شوال 708 ه، نوقش في مسألة كتبها في الرد على مذهب الاتحاد، إلا أن الحجج التي بها جردت خصومه من أسلحتهم.
ثم سجن بحبس القضاة لأسباب سياسية، سنة ونصف السنة علم خلالها أهل المحبس أصول دينهم، ولما أخلى سبيله، بعد ذلك بأيام قلائل، اعتقل في برج الإسكندرية مدة ثمانية أشهر، ثم عاد إلى القاهرة، حيث حصل على وظيفة مدرس في مدرسة أسسها السلطان الناصر مع أنه امتنع عن افتاء هذا السلطان بفتوى تجيز له الانتقام من أعدائه القضاة الذين حاكوه وسجنوه ظلماً بدافع الحقد فقط، وليس بدافع الخطأ العلمي!!
والغريب أن الأنظمة التي كانت تذيقه كل هذا الإيلام والأذى والحبس غير المبرر كانت تطلب منه أن يعظ الناس ويحثهم على الجهاد وعلى مقاومة الغزاة من إفرنج أو تتار، وتفسير هذا أن الأنظمة القائمة لم تكن تجهل إخلاصه في منهاجه وإخلاصه لدينه وحب الناس له وتأثرهم بصدقه وعلمه، فكان يقوم بمهمته تلك قياماً لم يعرف الناس أحسن منه.
وكان السلطان يحب من آن لآخر أن تتحفه بشيء من المال أو الطعام أو القماش، فكان ابن تيمية لا يقبل منه ذلك، وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث، فيورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد أن يورده في عدة مجالس، كأن هذه العلوم بين عينيه، يأخذ منها ما يشاء ويذر ما يشاء.
وفي جمادى الآخرة سنة 718 هـ منع بأمر السلطان أن يفتي في مسألة الحلف بالطلاق، (أي اتخاذ الطلاق يميناً كالحلف بالله، وتعليق وقوع الطلاق على شرط، بمعنى الطلاق المعلق) وهو نوع من الطلاق البدعي الحادث على الأمة، ولذلك رأى بعض علماء الإسلام أن هذا الطلاق لا يلزم المرأة ولا يقع.
وهذا القول أخذ به القانون المصري للأحوال الشخصية الآن، لوجاهته، بعد أن أوخذ ابن تيمية بسببه وبسبب قوله بأن طلاق المكره لا يقع، وظل يفتي بذلك وظل في السجن خمسة أشهر بسبب ذلك، ثم أفرج عنه، ليعود بعد فترة وجيزة إلى قلعة دمشق بسبب فتواه بعدم شد الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، لأنه رأى أن شد الرحال لا يكون ولا يجوز إلا إلى المساجد، أما شد الرحال إلى القبور فلا يجب أن تشد الرحال مهما كان صاحبها المنسوبة إليه!
وهذه الفتوى التي أصدرها عام 710 ه، عجلت بصدور مرسوم باعتقاله في قلعة دمشق مرة أخرى، فأخليت له قاعة كان يخدمه فيها أخوه. وفيها أقبل على تفسير القرآن، وكتابة الرسائل للرد على المخالفين، ولما اتصل بأعدائه خبر هذه المؤلفات، لجأوا إلى السلطان ليمنع عنه الكتب والأوراق والمداد.
وكان هذا الفعل الظالم، صدمة قوية له، فمرض عشرين يوماً، وتوفي ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة 728 ه، وقدر عدد من حضر دفنه في مقابر الصوفية بمئة ألف رجل، وخمسة عشر ألف امرأة!!
وكيف لا يحبه الناس ويقبلون على حضور جنازته ويدعون له ويستنزلون رحمة ربهم الواسعة عليه، وكل ما لقيه من عنت ومشقة كان بسبب نصحه للخلق بتخليص العقائد من الزيف، وتخليص البيوت من الرهق والعنت، وانظر إلى بعض الاجتهادات التي انفرد بها وعلى سبيل المثال عن غيره من الفقهاء:
مثل قوله: قصر الصلاة في كل ما يسمى سفراً، وهو قول بعض الصحابة.
وقوله: من أكل في رمضان معتقداً أنه ليل، فبان أنه نهار، لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر.
وقوله: يجوز توريث المسلم من الذمي.
وقوله: المرأة إذا لم يمكنها الاغتسال في البيت أو شق عليها النزول إلى الحمام وتكرهه، لها أن تتيمم وتصلي.
وقوله: لا حد لأقل الحيض، ولا لأكثره، ولا لأقل الطهرين بين الحيضتين، ولا حد لسن الإياس (اليأس) من الحيض، فإن ذلك يرجع إلى ما تعرفه المرأة عن نفسها.
وقوله: تارك الصلاة عمداً لا قضاء عليه، ولا يشرع له القضاء، بل عليه الإكثار من النوافل رجاء غفران الله له.
وقصة الفتوى الخاصة بالطلاق تتلخص في أنه رأى رجلاً يطلق المرأة ثلاثاً في فم واحد، أو في مجلس واحد، فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره، ونظر إلى أصول المسألة، فهدته دراساته في فقه آل البيت إلا أن اليمين بالطلاق باطل، لا يقع به طلاق، وإلى أن للطلاق شروطاً حددتها السنة، منها أن يطلق الرجل امرأته طلقة واحدة، بشرط أن تكون قد اغتسلت من الحيض.
وقبل أن يجامعها ثم يدعها حتى تكمل عدتها، أي الطهر الذي بعد الحيض، ويمكن أن يراجعها حتى وإن كانت المراجعة دون رضاها أو رضا وليها، فإن لم يراجعها وتركها حتى تنتهي عدتها، فقد بانت منه، ولا يستطيع المراجعة إلا بعقد ومهر جديد أي برضاها، وإن طلقها بعد ذلك فلا بد من أن تنكح زوجاً غيره!
كانت هذه هي أحكام الطلاق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وخلال عامين من عهد عمر فلما رأى عمر الأزواج يسرفون في الحلف بالطلاق، أو يندفع الواحد منهم فيطلق امرأته ثلاثاً في عبارة واحدة، أراد أن يؤدب الرجال، فقضى بوقوع الطلاق في هذه الحالات ثلاثاً، وسار الفقهاء من بعده على ذلك، ونسوا الحكمة التي توخاها عمر مما قضى به!
وهكذا أخذ ابن تيمية بفقه العترة المباركة في الرجوع بالطلاق إلى ما كان عليه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وابن تيمية في تصانيفه في عقائد التوحيد لأهل السنة والسلف بز جميع من صنف في العقائد، فمن تآليفه فيها:
(العقيدة الحموية الكبرى)، (العقيدة الواسطية)، (منهاج السنة)، (اقتضاء الصراط المستقيم)، (الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان)، (شرح العقيدة الأصبهانية)، (الرسالة العرشية)، (الإيمان)، (رسالة الفطرة)، (التدمرية)، (الرد على الاخنائي)، (تفسير سورة الإخلاص)، (الرسالة التسعينية) هذا غير ما تجده مبثوثاً في العديد من مؤلفاته، التي لا تخلو من تعرضه للعقائد، فقد كان غزير العلم غزير العطاء، فإن فتاواه جمع منها سبعة وثلاثون مجلداً، غير مختاراته العلمية في الفقه ومؤلفاته في علوم الحديث والسنة والأصول.
وكتابه في (الرد على المنطقيين) أعجوبة الأعاجيب في تأليفه، فإنه حين تقرأه تجده دارساً للمنطق اليوناني كأمهر مناطقتهم، ولكنه نقص كل ما تعرض له منه، وأثبت بالبرهان الساطع أن الإسلام ليس بحاجة إلى منطق اليونان.
حيث إنه لا يفيد الغبي ولا يحتاجه الذكي، وشكر الله لمن قيضه لطبع مؤلفات هذا الإمام لينتفع بها المسلمون صغاراً وكباراً، كما نسأله أن يوفق الأمة لرفع الظلم عنه، إذ يحاكم صباح مساء، كلما قام شاب غر مجهول بالعدوان على حرمات المسلمين وكرامتهم، مرجعاً متعللاً بابن تيمية، وكلما قام غيره بالحط على الصوفية وشطبهم من الأمة متعللاً بابن تيمية.
وكلما ظهرت جماعة تأخذ بفقه الحنابلة معتقدة أن ذلك هو الرأي الوحيد الذي جاءت به السنة والسلف، متعللة محتجة بابن تيمية، وهذا لعمري هو الظلم البين لابن تيمية الذي لا يستحقه، وواجب علماء الأمة أن يدفعوا عنه هذا الظلم فما هو إلا إمام أدى الذي عليه، فجزاه الله عن الإسلام خيراً.