د. سعاد صالح.. فقيهة عصرية لقبت بمفتية النساء، نظراً لاهتمامها بمختلف القضايا الفقهية التي تمس المرأة المسلمة من زواج وطلاق وخروج إلى العمل والسفر والتنقل ومسائل العبادة والحياة.. فتاواها ودراساتها دائماً تثير الجدل نظرا لجرأتها وقدرتها على استنهاض عقول المفكرين من أبناء جيلها..

ومن ثم يكون دائما لرؤاها وأرائها صدى كبير في الأوساط الثقافية.. تركت منذ أيام عمادتها لكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر لتتفرغ لأمور البحث الفقهي والفتوى، ومن ثم كانت آخر هذه الفتاوى تلك المتعلقة بإجازة انفراد النساء في الشهادة على عقود الزواج والطلاق ذلك ما دفع وكالة الصحافة العربية للسعي للتحاور مع هذه الفقيهة الجريئة.. وكان هذا الحوار: * ماذا عن أسانيدك على القول بإجازة انفراد المرأة في الشهادة على عقود الزواج والطلاق؟

ـ شهادة الرجال على عقدي الزواج والطلاق لأزمة عند بعض الفقهاء بحيث لم يقبلوا شهادة بديلة عنها والبعض الآخر أجاز شهادة النساء بجانب شهادة الرجال، إلا أنني أتساءل ما المانع في انفراد النساء بالشهادة على عقد الزواج ووثيقة الطلاق، باعتبار أنه لا توجد من النصوص ما يمنع ذلك سوى في الحدود فقط، أما سائر المعاملات فلا مانع، فلا يوجد ما يعيب شهادة المرأة سوى النسيان وهذا يعالج بأن تشهد معها ثانية تذكر أحداهما الأخرى عند نسيانها.

لقد قبلنا شهادة المرأة في المسائل العلمية وإثباتها لصحة الأحاديث أو ضعفها.. فكيف لا نقبل شهادتها في عقود لا تختلف عن سائر العقود المالية، التي يباح للمرأة فيها أن تقوم بعقدها بنفسها دون أن تنيب أحدا عنها.

الفقه النسائي

* ماذا تقولين فيما يسمى بالفقه النسائي؟

- بداية لابد أن نفرق بين الفقه والشريعة؛ فالأخيرة هي الأحكام والأصول الثابتة التي أنزلها الله عز وجل، أما الفقه فهو عمل البشر، لأنه اجتهاد الفقهاء في النصوص الشرعية التي تقبل الاجتهاد، وهو ما أوجد ما يسمى بالمذاهب الثمانية المدونة في كتب التراث، ولهذا فإن القضايا المتعلقة بالملابس والألوان..

فهناك اختلاف بين الفقهاء عليها لأن الشرع لم يحدد لون ملابس المرأة، وعندما يتمسك البعض منهن باللون الأسود بحجة أنه اللون الذي كانت تلبسه الصحابيات، فأنا أقول لهم هذا خطأ كبير، لأن هذا اللون كان يتعلق بالبيئة التي عشن فيها بدليل أنهن كن يلبسن اللون الأبيض عند وفاة أحدهم لكن بعض الفقهاء قالوا: إن هناك ألوانا تعطي صاحبها شهرة وخيلاء وهي لهذا غير مستحبة لكن هذا الرأي غير ملزم.

* وهل يوجد حقا رواء يمكن أن يطلق عليه وصف الإسلامي؟

- لا يوجد ما يسمي موديل إسلامي، ولكن إذا استندنا إلى الحديث الشريف الذي يقول إن هناك صنفين من أهل النار، وذكر منهما النساء المائلات للأمام، والكاسيات، والعاريات، فإنه على المرأة المسلمة ألا تلبس الملابس الشفافة، أو الضيقة التي تبرز تفاصيل الجسد بشكل مثير، والنقاب كما قال جموع الفقهاء ليس فرضا، وقد فسرت السيدة عائشة الآية الكريمة «ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها» بأن المقصود هو الوجه والكفين.

* وهل هناك شكل معين يجب أن تكون عليه حواجب المرأة أو مكياجها وعطرها؟

-بالنسبة للحواجب فهناك حديث شريف عين فيه الرسول - صلى الله عليه وسلم - النامصة، والمتنمصة، والواصلة، والمستوصلة، وهذا الحديث كان له سبب، فقد جاءت سيدة للرسول صلى الله عليه وسلم، وحكت له أن ابنتها أصيبت بحمى وقع على أثرها شعر رأسها وسألته هل تصل لها شعرها أي تضع لها شعرا مستعارا فنهاها صلى الله عليه وسلم.

وقال الحديث الشريف لأن هذا معناه كذب، وتدليس، وإذا قمنا بالتفسير اللغوي لبعض الكلمات التي وردت في الحديث، فسنجد أن كلمة النمص تعني الإزالة التامة، وفي هذا يوجد ثلاثة آراء مختلفة فالحنفية يرون إباحة تنظيف الحاجب من الشعر الزائد، سواء كان هذا برضا الزوج.

أو عدم رضائه، ومذهب الشاذلية وفيه يرون الإباحة ولكن برضا الزوج ويشترك معهم في هذا المالكية، أما الرأي الثالث فهو الحنابلة وفيه يرون أن إزالة الشعر ممنوعة مطلقا، ويوجد أيضا شاهد من السنة لإباحة تنظيف الحاجب ورد في صحيح البخاري حيث ذهبت امرأة للسيدة عائشة وسألتها هل يجوز أن تزيل المرأة حاجبها لزوجها فقالت لها أبعدي عنك الأذى ما استطعت.

مكياج يرضي الله

* وماذا عن شروط المكياج الشرعية؟

- أنا مع المكياج البسيط، وقد هوجمت بشدة على هذا الرأي لكني أرى أن هناك فرقا كبيرًا بين التبرج الذي نهانا عنه الله، وبين التجميل، فالتزين يجب أن يكون في شكل بسيط، وهذا يرجع إلى تقدير المرأة فالأنثى أنثى، وعليها أن تشعر بأنوثتها، وفي عهد الرسول صلى الله عليه وسلم كانت هناك الماشطة، والخضاب، وتحمير الخدين، والكحل، وكانت هذه هي أدوات الزينة في ذلك الوقت.

وهناك أيضا حديث يروى عن سيدة استشهد زوجها وهي حامل، وبعد أن وضعت جنينها تجملت بشكل مبالغ فيه فرآها أحد الصحابة، ويدعى أبو السنابل بعكك فقال لها مالي أراك متجملة وكأنك تريدين الزواج، ثم أخبرها أنه لا يجوز لها الزواج قبل مرور أربعة أشهر وعشرة أيام، لكنها ذهبت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فلم يلطمها على وجهها، ولم يقل لها كيف فكرت في الزواج، ولماذا تتجملين بعد وفاة زوجك، وإنما أشار عليها بالزواج.

* هل يبطل طلاء الأظافر الوضوء؟ وهل التعطر حرام شرعا؟

-طلاء الأظافر لامانع منه طالما ستتم إزالته قبل كل وضوء، أما العطر فيجب أن يكون خفيفًا، وليس بنية الإثارة، وهناك حديث للسيدة عائشة رضي الله عنها ذكرت فيه أن النساء لن يضعن المسك ليسيل على وجهوهن أيام الحج، ولهذا فأنا أرى أنه من حق المرأة وضع العطر خاصة إذا كان له رائحة نفاذه، أو كريهة والإسلام دين نظافة، وأعتقد أن مزيلات العرق لو كانت في عهد الرسول موجودة لاستخدمت دون قيود.

* هل دور المرأة المسلمة كأم وزوجة يحول دون قيامها بأي دور اجتماعي آخر، أم أن هناك محددات أخرى تحول دون قيامها بهذا الدور؟

- الأصل الواجب على المرأة هو دورها كأم، وزوجة، وهو الدور الذي خلقت من أجله، وهو أن تكون سكن للرجل، أو راعية لأسرتها مصداقا لحديث الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -: كلكم راع وكل راع مسئول عن رعيته ودور المرأة يجب ألا ينحصر في دورها كأم وزوجة فقط.

وإذا استطاعت أن تجمع بين دورها في بيتها، وبين مشاركتها في قضايا المجتمع بشرط ألا تعلن دورها كأم، وزوجة فلا مانع وإذا حدث تعارض مع ذلك فمكانها منزلها فهي ثروة المجتمعات، وإذا فشلت في دورها كأم، وزوجة فشلت الأسرة، والمجتمع، وأنا شخصيا لم أصل إلى ما وصلت إليه إلا بعد وصول أبنائي إلى مرحلة الاعتماد على النفس أما قبل ذلك فكان البيت، والأولاد على رأس أولوياتي.

واجب المرأة

* من خلال تجربتك.. هل هناك وظائف، أو مهن بعينها تناسب المرأة من الناحية الإسلامية؟

-بالطبع فليس الأمر متروكا أمامها تختار كما تشاء مثل الرقص مثلا أو قيادة السيارة، أو العمل في أوقات متأخرة من الليل، فهناك مهن تناسب ظروفها كمدرسة أو كطبيبة بشرط ألا تهمل بيتها وأسرتها.

*وماذا عن وجوب استئذان الزوج من زوجته قبل السفر؟

-الأصل في الشريعة الإسلامية مبدأ المساواة بين المرأة والرجل في الإنسانية والتكريم الإنساني، وأهلية التكاليف الشرعية بمختلف مجالاتها انطلاقا من قوله تعالى:

«إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً» (الأحزاب: 72). وقوله سبحانه: «ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا» (الإسراء: 70).

وعن مبدأ تحقيق المساواة في الحقوق، والواجبات بين الزوجين داخل الأسرة يقول سبحانه وتعالى: «ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف» ويقول جل شأنه «هن لباس لكم وأنتم لباس لهن» ويقول صلى الله عليه وسلم كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الرجل راع في بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيتها ومسئولة عن رعيتها، وانطلاقا من هذه القاعدة.

وهذه الأدلة نرى وجوب استئذان الزوج لزوجته قبل سفره إذا كان السفر أكثر من أربعة أشهر، لتلافي الخلل الذي يحدث في الأسرة بسبب غيابه، وهو المسئول الأول عن رعاية الأسرة زوجة، وأبناء لقوله تعالى:

«يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم».. والخطاب موجه للأزواج وفيه صيغة الوجوب؛ فالزوجة إنسانة لها متطلباتها الغريزية.. كما أن الأبناء يحتاجون إلى رعاية وحماية وتوجيه الأب.

ومن ثم اشترط أن يكتب هذا الشرط في وثيقة الزواج وهو شرط يحقق منفعة ويدفع مفسدة، ولا يتعارض مع درجة القوامة للرجل في الأسرة، لأنها درجة تكليف، ومسئولية، وليست درجة تسلط، فضلا عن أنها درجة مقيدة بوجوب الإنفاق، الاقتداء بسنة رسول الله في معاملته الإنسانية لزوجاته.

والتي كانت تقوم على الرحمة، والمودة، والإنسانية ولا تقوم على العنف، أو الضرر، وإذا لم يوافق الزوج على الاستئذان عليه اصطحاب زوجته وأبنائه في سفره الطويل حتى يحقق الاستقرار الأسري، والترابط بين عناصر الأسرة من آباء، وأبناء وبذلك نحقق للمجتمع مصلحة كبيرة.