على امتداد عقود عدة، أطلت تحت آفاق دبي مساجد كثيرة تجمع بين الصرحية من ناحية والدقة في تبني تقاليد الذاكرة البصرية لجماعات المسلمين في معظم أرجاء العالم فيما يتعلق بالعمارة المسجدية.

المثال الواضح، والبارز، والذي يستعصي على النسيان في هذا الصدد حقا هو ـ بالطبع ـ مسجد الجميرا الجامع الكبير، بإنشائه الفخم المهيب وجمالياته التقليدية البديعة. لكن هذا الحضور القوي لجامع الجميرا لا يعني أنه المثال الوحيد لهذه الرؤية الإنشائية والجمالية في العمارة المسجدية تحت آفاق دبي.دعنا نبادر إلى إلقاء نظرة على مسجد آخر يجسد هذه الرؤية، يعد أقرب كثيراً في تاريخ إنشائه من جامع الجميرا.الحديث هنا يدور حول جامع الخليفة عمر بن عبد العزيز، الذي افتتح في 17 شعبان 1419 هجرية الموافق 6 ديسمبر 1998 والذي يلفت نظرنا فيه طابعه الصرحي المهيب، حيث ينهض بيت الصلاة فيه كتلة مستطيلة، تجمع بين القوة والرسوخ من ناحية والتألق والبهاء من ناحية أخرى تعلوه قبة تميل إلى الصغر، مقارنة بالحجم الكلي لبيت الصلاة.

فيما يوشك أن يكون تقليدا أثيرا لدى أبناء المنطقة، وتؤطر ذلك كله مئذنتان بهيتان تعكسان تقاليد العمارة المملوكية في عهدها المتأخر الذي يجمع مهارات قرون من الممارسات الإنشائية والجمالية.بين هذه المآذن يجمع بين القوة والرشاقة معاً، وتزنر المئذنة شرفتان بديعتان تلفتان النظر بأدائهما التفسيري الخاص للمقرنصات، وتتوقف العين عند المنجرة البديعة التي تتوج كل مئذنة. العين في طوافها بهذا المسجد الجامع من الخارج لا يمكن إلا أن تتوقف أيضا عند العرائس، التي تحف الأطراف الخارجية لسقف المسجد مثل أكف ترفع بالدعاء.

تلفت النظر أيضا العقود الحدوية الجميلة لمداخل المسجد ومخارجه، وأعمدتها التي تناسب والقياس الإنساني، من دون أن تدفع ضريبة ذلك افتقاراً للرشاقة ولا البهاء.

لاحظ أيضا التوظيف البديع للخط من الخارج هنا، وهو أمر نادر ما تلقاه في مساجد الإمارات التي غالبا يندرج المشروع الزخرفي داخل المسجد وحده، ليبقى الخارج موحيا بالصرامة أحيانا والانكفاء على الداخل في كل الأحوال.

المشروع الزخرفي داخل هذا المسجد امتداد بهي من الإبداع الفني، حتى لتحار أين تبدأ تأملاتك. وأين تنتهي، من دون أن يعني ذلك أنك بين يدي مشروع زخرفي يعكس، إسرافا ينتهي بأن يكون غير متعاطف مع الإنشاء.

هذا التوصيف يبرز كأوضح ما يكون في المحراب، الذي تم الوصول به ببراعة وإحكام إلى القياس الإنساني، وجرى تأطيره بحزام ذهبت زخرفته النباتية، وذهبت عناصر الخط البديعة التي تحتل طاقيته.

توظيف جماليات الخشب يبرز، بالطبع، في المنبر المميز لهذا الجامع وفي الأبواب وفي أطر النوافذ. الإبداع في الجص يستحضر المساهمات الخليجية الممتدة طويلا وتوظيف الزجاج يعكس براعة حقيقية.