هنا يتساءل الإنسان أين القيم الإنسانية ومشاعر الإخوة، وعلاقات المودة والمحبة، ومبادئ الأخلاق، والدعوة إلى التعاون، والمطالبة بتطبيق قواعد الحق والعدالة.
يتحير المرء ويشعر بالتمزق والمرارة، حينما يقرأ في كلمات الرب: «يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» أي نتعاون ونتحاب ونقيم أواصر المودة بيننا ونشيد حضارة قويمة تتبادل الأفكار فيما بينها، فيسعد الفرد ويتمتع بحياته، وينفق عمره في خدمة الآخرين وتعاليم الرسول:
«والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». وقوله: «أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب». وقول المسيح: «أحبوا أعداءكم وباركوا لأعينكم..» وإرشادات فلاسفة الأخلاق، يقول كانط (1804م): اعمل كما لو كنت تريد أن يصبح مبدأ عملك قانونا كلياً للطبيعة» أو قوله: «اعمل دائماً على نحو تعتبر به الشخص الإنساني في نفسك وفي الآخرين غاية لا وسيلة.
وتصورات الفلاسفة أفلاطون والفارابي وتوماس مور في المدينة الفاضلة التي تنتفي فيها الشرور ويعمها المحبة والسلام، أقول يشعر المرء بالتمزق حينما يقرأ المثال ويرى الواقع الأليم. والمفارقة واضحة بين القول والفعل والنظرية والتطبيق، لاسيما وأن الأديان جميعها تؤكد ضرورة أن يحب الإنسان لأخيه ما يحب لنفسه، فلكي يعلو على الجانب الحيواني في داخله .
ويرقى إلى مصاف الإنسانية عليه أن يروض الحيوان الحبيس الكامن فيه، ويخفف من شهوانيته وأنانيته، ويهذب من أطماعه غير المشروعة، ومن هنا جاءت تعاليم السماء إلى الأرض، وجاهد الرسل جهاداً ليس بعده وسع، لتدعيم أركان المحبة، وتثبيت المعاني السامية في النفوس.
فنحن بين صورتين متنافرتين، صورة المثل العليا، وقواعد الأخلاق، وضرورات المنطق وأوامر العقل السليم، وكلها تعمل في اتجاه النهوض بالإنسان، وبإرادته وتهذيب سلوكه وتنمية ملكاته والسمو بأخلاقه لكي يلتحق بعالم النور. وصورة أخرى للواقع المزري الذي نعيشه وكلها تعبر أصدق تعبير عن هذا الظلم الواضح من الدول الكبرى تجاه الدول الصغرى، لقد تجاوزوا كل ما هو متعارف عليه عند عقلاء التاريخ انقلبت الموازين، وتعدلت المعايير.
وأصبح القوي هو الذي يشرع لنفسه وللعالم، قواعد جديدة، ويطرح مفهومات فريدة، مستنبطة من فلسفته البرجماتية، فالحق عنه ليس إلا ما يقوده إلى النجاح في الحياة، والمعتقدات الصحيحة هي وحدها التي تنتهي إلى تحقيق أغراضه الفعلية، فهو يؤمن بالله لأن هذا الاعتقاد يعود عليه بنتائج مباشرة وغير مباشرة، فيما بعد ذلك.
الشاهد أن هذه القواعد المخترعة لا تخدم إلا مصلحته، وشركاته والصفوة الحاكمة، وليذهب الجميع والعالم إلى الجميع، غير مأسوف على أحد، فهذه فلسفة الأقوياء في ظل العولمة العاتية التي تسعى لإخضاع العالم لهيمنة الدول الكبرى سياسياً واقتصادياً وثقافياً. فالدول الصغرى عليها ان تدور في فلك القطب الأكبر، فهم ليسوا إلا عبيداً وخدماً أو بشراً من الدرجة الثانية.
أو قل ما شئت يريدون أن يكرروا قصة العبيد الأفارقة حينما كانت جيوشهم وسفنهم تهبط على سواحل إفريقيا ثم يقتادون الملايين بالقوة مكبلين بالأغلال في أعناقهم، ويذهبون بهم إلى شوارعهم ومزارعهم ومصانعهم ويسخرونهم في أدنى الأعمال، وأشق الحرف، وأسوأ المهن، وأصبحت العدالة هي عدالة القوى، كما ذكر أفلاطون في جمهوريته، فالأقوياء هم الذين يحددون معنى العدالة.