روى أبو داود والنسائي بإسناد صحيح عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً كان عند النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فمر رجل فقال: يا رسول الله، إني لأحب هذا، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «أعلمته؟ قال: لا، قال: «أعلمه» فلحقه فقال: «إني أحبك في الله، فقال: أحبك الذي أحببتني له.

من المبادئ التربوية التي حرص الإسلام على ترسيخها بين أبنائه، إشاعة المحبة فيما بينهم، تحقيقاً وتوثيقاً للترابط الاجتماعي الذي يقوم على أسس نقية خالصة، لا تشوبها مصلحة شخصية، ولا شهوات مادية، ولكن يقيمها الحب في الله الذي يشكل أثراً من كمال الإيمان الذي يظهر في سلوك الفرد المؤمن .

وهذا الكمال الذي يتمثل في الحب الخالص بين المؤمنين أعلى الله منزلته يوم القيامة، وفي ذلك الإعلاء تشجيع للمؤمنين على إشاعة المحبة بينهم، فقد ورد في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟

اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي» وجاء أيضا في حديث قدسي آخر قال الله عز وجل: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيون والشهداء» وإنما استحقوا هذه المنزلة الرفيعة، لاجتماع قلوبهم على الحب في الله ولله، والنصح لدين الله، والتعاون على مرضاته تعالى.

وتأكيداً لعلاقة المحبة بين المؤمنين، وتوثيقاً للروابط فيما بينهم، دعا الحديث الشريف كل مؤمن يحب أخاه المؤمن ان يعلن له عن محبته وعندما ينتشر الحب في المجتمع وتتوثق وشائج الأخوة الإيمانية، وتعم النصيحة الصادقة أفراد المجتمع، فينتشر الخير، وتسود البهجة، وتزدهر الحياة.

وكل تلك الثمار نابعة من ذلك الشعور النبيل، الشعور بحب الآخرين ومحبة الآخرين، محبة خالصة لا يشوبها كدر من أكدار الدنيا، والحديث الذي معنا وقفة تربوية للنبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه فيها كيف يشيعون أجواء المحبة فيما بينهم.

وذلك عندما أخبر الصحابي النبي صلى الله عليه وسلم حبه لأخيه المؤمن، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم ان يعلمه بذلك وهكذا حصل، وهذا هو المنهج التربوي الذي طبقه الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته مع أصحابه، فها هو صلى الله عليه وسلم يأخذ يوماً بيد صاحبه معاذ بن جبل رضي الله عنه ويقول له:

«يا معاذ، والله اني لأحبك، ثم أوصيك يا معاذ: لا تدعنّ في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» فقد اشتمل الحديث إعلاماً بحب النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبه، ونصيحة خالصة فيها خير الدنيا والآخرة.

فما أعظمها من تربية إيمانية عاطفية يعيش المؤمن في مجتمعه يشعر بدفء محبة الآخرين له، ولا يعيش منبوذاً فريداً طريداً كما هو حال المجتمعات المادية البغيضة، وما أعظمه من شعور للمرء بأنه محاط برياض من حب الآخرين، فاللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك، وحب عمل يقربنا إلى حبك يا أرحم الراحمين.

د. أبو بكر علي الصديق