يحرص الإسلام حرصاً كبيراً على القضاء على الفاحشة والرذيلة في المجتمع ومن جملة وسائله الفاعلة لذلك ستر العورات المهيجة للغرائز والمثيرة لها، وبذلك يستبق الوقوع فيها بخطوات عديدة وهذه طريقة مجدية جداً في طريق المحافظة على العفة، وذلك بأن طلب من الإنسان ان يستر عورته عن الآخرين ويغض بصره أيضاً عن عوراتهم وبذلك يكون المجتمع كله المستور والغاض بصره في آن واحد.
هذا وقد تركز في النفس البشرية - عند الأسوياء عبر القرون الطويلة - ان الستر مطلب إنساني قبل ان يكون دينياً مهما كان هذا الستر ضئيلاً، ولو كان عرض إصبعين، ومهما كانت القبائل المتوحشة موغلة في سكنى الغابات أو في الصحارى كل يدرك انه يختلف عن الحيوان الأعجم الذي من فطرته التعري ولا يميل الإنسان إلى التعري إلا وهو يرتكس إلى دركه أدنى من الحيوان.
لكن إياك - أيها المنصف - ان تعتد بشذوذ الأفراد هنا وهناك فان الأحكام الإنسانية لا تؤخذ من الشواذ بل يلاحظ التيار المتفق في خضم الحياة ومن العجب قول بعضهم:
ان التعري هو طبع الإنسان الأول ولا يخفى ما فيه من الخيال الذي لا يستند إلى دليل وان مستندنا خير صحيح صادر عن الله وهو ان آدم ابا البشر استتر قبل ان ينزل إلى الأرض منذ خلق، فتبين ان التستر بدأ مع بداية البشرية، واما ما يذكرونه عن القبائل القديمة كيف كانت متعرية فانه محمود على الانحراف السلوكي الذي طرأ على الإنسان فيما بعد كغيرها من العادات المنحرفة.
والأصل ان يغض كل إنسان بصره عن عورة الآخرين ولكن - حماية للعورة من نظرة غير مقصودة يمكن ان تقع من احد - شرع الله ستر العورة، فاذا ما وقعت هذه النظرة فجأة وقعت على عورة مستورة وبذلك امنا من عاقبة النظرة السيئة.
وأكثر من ذلك ان الإسلام ربى المسلم على الستر ولو في مكان خال ولو كان وحيداً في بيت مظلم، وذلك ان الحياء صار صبغة له فلا تنفك في أي حال من الأحوال. ومن المعلوم ان الرجل والمرأة كليهما مطالبان بالستر ولكن الستر يختلف حسب الحاجة، فالاستثارة السريعة للرجل تحتم الستر الكامل للمرأة، بخلاف المرأة تجاه الرجل، فكان الستر له جزئياً يقدر بنصف جسمه .
وهو ما حول السوءة وما يقرب منها، فالستر عند الرجل يكون قريباً من سوأتيه فما حولها - في الحقيقة - حماية لها وسياج، وما ذلك إلا من قواعد الشريعة الثابتة القطعية وهي ان الشارع يحرم شيئاً ويحوطه بسياج فيه الأمان للمقصود بالحفظ يأخذ هذا السياج حكمة تحريماً أو وجوباً حتى تبقى مسافة كافية للحفاظ على ما قصد حفظه.
وان القول الشاذ القائل بكون العورة هي السوأتان فقط يسقط هذه القاعدة الكلية ويعطلها عن العمل واعلم ان سقوط هذا السياج يعني الاقتراب من الفاحشة ولا يبقى إلا حاجز رقيق هلهال يتمزق بأدنى خشه ويسقط بأخف نسمة. هذا مع ما في اللباس الساتر المحتشم من الزينة الجميلة فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمد الله على ذلك فيقول: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي.
زكريا الطحان