لقد كان أبوه أبو عامر يعرف في الجاهلية بالراهب واسمه عمرو وكان يذكر البعث والقيامة ودين الحنيفية وكان من المتحنثين الموحدين ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كان من المعاندين والحاسدين له حيث جعلت الرسالة والنبوة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وليست له.
فخرج من المدينة ولما كانت وقعة أحد شهدها مع قريش ضد النبي صلى الله عليه وسلم في خمسين رجلاً من قومه وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يحمل اللواء من المشركين قيل له (بنو عبد الدار) قال نحن أحق بالوفاء منهم أين مصعب بن عمير العبدري قال هأنذا قال خذ اللواء فأخذه مصعب فتقدم به بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .
فكان أول من أنشب الحرب بينهم أبو عامر الراهب فقد طلع في خمسين من قومه فنادى (أنا أبو عامر) فقال المسلمون لا مرحباً بك ولا أهلاً يا فاسق فسُمي (بالفاسق) قال:
لقد أصاب قومي بعدي شر ومعه عبيد قريش فتراموا بالحجارة هم والمسلمون حتى ولى أبو عامر وأصحابه. وبعد وقعة أحد رجع مع قريش إلى مكة ثم خرج إلى الروم فمات بها سنة تسع للهجرة. أما ابنه حنظلة بن أبي عامر فقد أسلم وحسن إسلامه وآخى النبي بينه وبين (شمَّاس بن عثمان المخزومي) الذي استشهد في أحد.
وروى ابن شاهين بسند حسن كما ذكر الحافظ العسقلاني أن حنظلة بن أبي عامر وعبد الله بن أُبي بن سلول استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل أبويهما لما رأيا من شدة حقدهما ومآمرتهما ضد الرسول صلى الله عليه وسلم وضد الإسلام. لكن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهما عن ذلك وقال: أحسنا صحبتهما رغم كفرهما وعنادهما ونفاقهما مصداقاً لقوله تعالى (وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) فكان هذا من محاسن هذا الدين القويم.
وفي معركة أحد كان حنظلة في الاتجاه الآخر يقاتل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد ذكر ابن اسحق وغيره أن حنظلة الغسيل التقى مع أبي سفيان ابن حرب فلما استعلاه حنظلة وكاد أن يقتله رآه شداد بن الأسود وقد علا أبا سفيان فجاءه وضربه بسيفه حتى قتله وقال:
لأحمين صاحبي ونفسي
بطعنة مثل شعاع الشمس
وكان أبو سفيان لا ينسى ما فعله شداد بن الأسود حيث أنقذه من موت محقق على يدي حنظلة رضي الله عنه وكان شداد هذا يذكر ويفتخر بما فعله مع أبي سفيان كما ذكر ذلك أصحاب السير ومنهم (ابن هشام في سيرته).
لما نادى منادٍ للجهاد في معركة أحد وسمع حنظلة النداء خرج إلى المعركة وكان قد بنى ودخل بزوجته فمنعته من الخروج فأبى وأخذ سيفه وخرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التحق بالمعركة وقاتل قتال الأبطال حيث تمكن من قائد جيوش قريش أبا سفيان بن حرب لولا الطعنة المباغتة من شداد بن الأسود التي أماتته شهيدا على أرض أُحد.
ولما استشهد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرج الحاكم وصححه وأقره الذهبي وأورده ابن حجر في الإصابة (إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة).