الخطابة فن أدبي وثقافي أصيل في الثقافة العربية الإسلامية كما هي في الثقافات الأخرى، وقد نقل إلينا المؤرخون والأدباء تراثاً خطابياً لا يستهان به، كما أن الإسلام جعل من الخطبة منسكاً من المناسك بإقراره خطبة الجمعة وخطبتي العيد، مما يحافظ على هذا اللون الثقافي الأصيل ويحول دون تلاشيه واضمحلاله.
ومن يقرأ خطب النبي الأعظم محمد عليه الصلاة والسلام وخطب الإمام علي كرم الله وجهه يقف عند كنوز من التعبير البياني البديع والأسلوب البلاغي العظيم في طرح الأفكار ونقد الظواهر السلبية وحشد الجهود والطاقات لتحقيق الأهداف العامة العليا وإعلاء كلمة الله فوق الجميع.
ولكن المصيبة في أيامنا أن الخطابة حلت محل الحديث الهادئ والحوار المقنع، ففي الخطابة دائماً هناك إنسان واحد يتكلم والبقية يستمعون دون حوار أو نقاش أو جدال أو اعتراض.
ومع اعترافنا بضرورة وأهمية الخطابة في مواقع وميادين مختلفة في الحياة السياسية والاجتماعية والدينية فإننا نرى أن الخطابة طغت على أشكال التواصل الأخرى، حتى جاز أن نقول إن ثقافة الخطابة باعتبارها إملاءً من طرف واحد على الجميع صارت تطبع وتغلب على الثقافة العربية، دون أن يكون للمستمع أي دور في الحوار أو الرد أو الاعتراض، وهذا لا يعني إلا أن الخطابة قد تحولت إلى لسان الاستبداد والطغيان الذي لا يعترف بجدارة أحد آخر في طرح ما لديه.
الرسول الأعظم كان يخطب بالمسلمين وكان يستمع إليهم رجالاً ونساء، فقد كان خير من ينصت ويهتم بما يقوله الآخر ويرد عليه بوحي من السماء أو بحكمة أكرمه الله بها، والإمام علي كرم الله وجهه كان خير من اتسع صدره ووسع حلمه حتى لاعتراض الآخر وخروجه عما يراه حقاً وصدقاً، أما الخطابة اليوم فهي لا تفسح مجالاً لرأي آخر ولسان حال الخطباء يردد قولاً نقله التاريخ عن الحجاج: «ألا وإن من سيقول لي اتق الله قطعت رأسه بالسيف».
في المدرسة أكثر المعلمين يلقون دروسهم كأنها خطب ولا يريدون أن ينصتوا لأحد، وقد يفاجأ طالب أراد أن يساهم بسؤال أو بما يراه مثالاً أو متمماً لما يقوله المعلم بزجر عنيف يربط لسانه ويلجم عقله إلى آخر حياته، سيما إن كان في طرحه ما يربك المعلم الذي يفترض أنه يعرف كل شيء وأنه لا يسهو عن شيء.
وفي المسجد أيام الجمع وغيرها وحتى في الدروس أو المحاضرات الدينية، يفترض بالشيخ أنه صاحب الكلمة الأولى والأخيرة إذا كانت خطبة الجمعة لا تسمح بهامش من الحوار والأسئلة، أما في الدروس والمحاضرات ففيها فسحة يجب عدم تجاهلها أو خسارتها لإنشاء خطاب متبادل يشعر فيه المخاطب بأنه ليس مجرد مستمع أبكم.
وفي الجامعات التي يجب أن تكون ميادين بحث وحوار وتبادل للمعارف والمعلومات لا يزال بعض الأساتذة يقف أمام طلابه ويخطب فيهم كأنه يجيش جيشاً للحرب أو للفتح.
ونشرات الأخبار في كثير من الدول أشبه بالخطابات الإيديولوجية التي تمجد السلطان وتستعرض عطاءاته وتذكر بمنجزاته وتردد أقواله مع قليل أو كثير من الشعارات والعبارات التي فقدت معانيها وصلاحيتها منذ زمن بعيد، وحتى في البيت فإن أكثر الإباء ينصحون أبناءهم عبر مواعظ وخطب لا تسمح للشبان والفتيات بأن يقولوا كلمة واحدة وربما كان على الزوجة أيضاً أن تنصت لخطبة الزوج دون سؤال أو اعتراض.
لقد مررنا بعقود تغص بالآف الخطب النارية ومئات الشعارات والتعابير المؤدلجة من يوم «ارفعوا رؤوسكم يا عرب» إلى يوم «القدس عربية عربية عربية»، والنتيجة أن العرب لم يرفعوا رؤوسهم بل زادوا في طأطأتهم الذليلة وضعفهم المستحكم، وأن القدس لا تزال تحت الهيمنة الإسرائيلية التي تقابلنا بكل وقاحة وصلافة ولا اكتراث وعدم مبالاة بكل الخطب والشعارات الخاوية التي لم نمل من تردادها.
لقد وجد فينا وفي زعمائنا من كان يلقي خطاباً يستمر أكثر من 5 ساعات، وكان على المستمعين أن يصبروا على قضاء الله وقدره وهم يردون بالتصفيق الحار وبالشعارات التي تمجد الخطيب الزعيم، وبالطبع وفي أجواء كهذه كان مجرد السؤال أو الاستفسار يعتبر جريمة تمس أمن الدولة أو الأمن القومي فتصوروا معي رجلاً يقبع في السجن سنوات عقاباً على مجرد سؤال.
إنني أدعوكم وادعو نفسي، ثم أدعو القائمين على أمور العباد والمسؤولين عن الإعلام، ثم أدعو الآباء والأمهات والشيوخ وأهل العلم والمدرسين في المدارس والجامعات، أن نميل عن الخطابة قليلاً إلى الحوار وأن نعترف بحق ابن آدم في أن تكون له كلمته وسؤاله واعتراضه ودوره في الوصول إلى قناعة أو قرار.
ففي الغرب تعمل مؤسسات استطلاع الرأي العام بعد كل كلمة لزعيم عندهم لمعرفة أثر هذه الكلمة في شعبيته ومنزلته عند مواطنيه، أما خطباؤنا بكل طيفهم فهم يقولون ما يريدون قوله وليذهب الرأي العام إلى الجحيم ما دامت كراسي الخطابة دائمة إلى أن يسترد الله أمانته.
هل أقول إننا أمة ترجح فيها كفة الأقوال على كفة الأفعال، ولا يسمح فيها إلا لصوت واحد أن يصم الآذان وعلى الآخرين أن يتحلوا بالصمت والبكم........... «ارفعوا رؤوسكم يا عرب» تحتاج قبلها «ارفعوا صوتكم يا عرب».