المسلم في مدرسة الصوم يدرب نفسه على التصفية والشفافية والطهر والصلاح كي يكون من أهل الاستقامة، التي تعني العمل بطاعة الله تعالى وسلوك الصراط المستقيم الذي ينادي به في كل صلاة عندما يقرأ فاتحة الكتاب ويقول. إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.والمسلم الذي يعيش في دائرة الاستقامة يكون بعيداً عن الأخطاء والرذائل ويتمتع بحياة هادئة سعيدة.

قال تعالى في سورة هود: فاستقم كما أُمرتَ ومَن تابَ معكَ وَلاَ تطغوا إنه بما تعملون بصير. (هود 112)

قوله تعالى: فاستقم كما أمرت: أي كما أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمر به وجميع ما نهاه عنه، لأنه أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله.

قوله تعالى: ومن تاب معك: أي رجع من الكفر إلى الإسلام وشاركك في الإيمان، أي: وليستقم من تاب معك.

وما أعظم موقع هذه الآية. واشد أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة، ولهذا يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه شيبتني هود وأخواتها من المفصَّل قوله تعالى: ولا تطغوا:

الطغيان مجاوزة الحل، ولما أمر الله سبحانه وتعالى بالاستقامة بين أن الغلو في العبادة والإفراط في الطاعة على وجه تخرج به عن الحد الذي حدّه والمقدار الذي قدره ممنوع منه، منهي عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: أما أنا فأصوم وافطر وأقوم وأنام وانكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.

قال بعض المفسرين: إن الاستقامة في قوله تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، معناها الدوام على الإيمان والطاعة وإخلاص العمل وأداء الفرائض دون أن يشركوا بالله شيئاً، ولما قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الآية فسّرها بقوله: لم يروغوا روغان الثعلب. أي لم يميلوا عن الصراط المستقيم.

وأهل الاستقامة في دنيا الناس هم الذين يتمسكون بالحق في كل تعاملاتهم فلا يحيدون قيد أنملة عنه لتحقيق مآرب شخصية لأنهم يعلمون أن الله سبحانه وتعالى رقيب عليهم وانه سيحاسبهم على أفعالهم، لذلك تراهم يتنافسون في عمل الصالحات وخاصة في شهر رمضان بل وفي غير شهر رمضان بغية الوصول إلى الهدف الأسمى وهو مرضاة الله رب العالمين.

فتراهم يؤدون العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج كما أمر الله سبحانه وتعالى، وكما بيّنتها سنة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه وبجانب أداء المسلم للعبادات تجده يستقيم في أخلاقه فيتحلى بالفضائل ومكارم الأخلاق، لذلك يبدوا بين الناس كالشامة قال أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى: من لم يكن مستقيماً في حاله ضاع سعيه وخاب جده، ولذلك قيل:

لا يطيق الاستقامة إلا الأكابر، فإنها لا تحصل إلا بالخروج عن المألوف ومفارقة العادات، والقيام بين يدي الله تعالى على حقيقة الصدق، ولذلك تجد المسلم صادقاً في كل ما يقوم به في شهر رمضان من صيام وقيام وتلاوة القرآن الكريم والإحسان إلى الناس والأخذ بيد المحتاج ومساعدته حيث الجزاء الجزيل من رب العالمين.

وان أعظم ما يراعى استقامته بعد القلب اللسان فإنه كما قيل ترجمان القلب. قال سفيان: لأن ترمي إنساناً بسهم أهون من أن ترميه بلسانك فإن السهم قد يخطئه، واللسان لا يخطئه.

ولذلك قيل:

جراحات السنان لها التئام.. ولا يلتئم ما جرح اللسان.

وأهل الاستقامة تكفيهم سعادة أن الحق سبحانه وتعالى أمنهم من العذاب يوم القيامة، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون على ما خلفوا وراءهم بعد مماتهم.

قال تعالى: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

روي عن أبي عمر، وقيل أبي عمرة سفيان بن عبدالله بن أبي ربيعة بن الحارث رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً غيرك، قال: قل أمنت بالله ثم استقم (رواه مسلم). قل آمنت بالله: أي جدد إيمانك بقلبك ولسانك لتستحضر معاني الإسلام والإيمان، ثم استقم على الطاعات وانتهي عن جميع المخالفات.

وغاية الاستقامة ألا يلتفت العبد إلى غير الله تعالى.

والمسلم المستقيم يكون مثلاً أعلى لأبنائه في البيت، فتراه ملتزماً بنهج الإسلام متمسكاً بتعاليمه لا يزيغ عنها ولا تصدر منه هفوة أمام أبنائه، ولا يقتصر الأمر على البيت فحسب بل يكون قدوة صالحة أمام زملائه في العمل وأمام من يتعامل معهم في أي مكان، لأنه آثر اتباع الحق والمنهج القويم وابتعد عما يخالف شرع الله، وفي هذا سعادته الحقة.

قال تعالى: وان هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون. (الأنعام 153)

أي لا تتبعوا الطرق المختلفة المنحرفة عن الدين الحق دين الإسلام.

قال تعالى: قُل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم ديناً قيماً ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين. قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين.

إن المرء إذا حسن إسلامه واستقام على الجادة وترك ما لا يعنيه من القول والعمل كان من الفائزين.

وفي ختام اللقاء.. دعاء ورجاء:

اللهم اجعل التواضع في هذا الشهر الكريم خُلُقي، والكَرَم صِفتي، والإقبال عليك بغيتي، واجعل لذَّتي في ذكرك وتلاوة كتابكِ العظيم، اللهم ارزقني تلاوته ونوره وبركته وهداه وارزقني يا رب فهم معناه، اللهم إني أسألك الشكر على إنعامك، والقيام بعبادتك وأحكامك، يا من إذا ذكرته ذكرني وإذا شكرته زادني، وإذا تقربت إليه تقرب إلي بأكثر من تقربي إليه، أعوذ بك من شر نفسي، وأعوذ بك من شر ما يعمل الظالمون.

ومن شر كل بلية لا استطيع عليها صبراً، وأعوذ بك أن تحول خطاياي دون رحمتك وبرك وفضلك وبركاتك وموعودك اللهم اجعلني من الفائزين الذين فازوا برضاك يا كريم.

الله، يا الله، يا الله، يا رحمن يا رحيم، نواصينا كلها بيدك ومعاذ المظلوم مِنَّا بك، وتوكَّل المقهور منَّا عليك ورجوعه إليك، يطرُقُ بابك إذا أغلقت دونه الأبواب فأنت سبحانك تعلم ما به قبل أن يشكوه إليك وتعرف ما يصلحه قبل أن يدعوك له، اجبنا إذا دعوناك وزدنا من فضلك وكرمك، انك أهل لذلك وفوق ذلك وأنت على كل شيء قدير.