إن بعض العقول البشرية ميزها الله تعالى ببعد النظر أي توقع اشياء لم تكن موجودة ومعهودة في الزمن أو العصر الذي هم فيه كأن يدرك الإنسان ويتوقع مثلا حدوث حادثة معينة بسبب تحليله للوقائع والحوادث السابقة فقد يبني نظرية ما على ذلك والإنسان لا يحيط بعلم الغيب مطلقا، ولكن يتوقع ذلك ولربما قد اصاب في توقعه لأسباب عدة منها انحراف البشر عن الفطرة السوية وتجاوز القوانين الربانية وهكذا يبني نظرية على هذه الاشياء وغيرها.
إن النظرة المنهجية العلمية المتفحصة التي ينبغي تدبر شؤونها والسير على نهجها تتبع الحقائق في شتى امور الحياة فلابد للمرء من النظرة الجادة في طريقة عرضها فهي تقضي أن ينظر الإنسان المسلم وغيره في عواقب الأمور التي ستنتج عنها في العاجل أو الآجل الحاضر والمستقبل .
ولكن المسلم على وجه الخصوص مطالب بدور أكبر من غيره لأنه علم من الإسلام ما لم يعلمه غيره من اصحاب الديانات الأخرى فهو مكلف بحمل رسالة الاسلام وتبليغها للناس كافة أو ارشاد مجتمعه بما يدعو إلى الصلاح والفلاح والسعادة في الدارين بحسب طاقته ومعرفته العلمية متجنبا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
لقد جاءت مجموعة كثيرة من الأحاديث النبوية (تشير إلى ما يمكن أن يقع في المستقبل للأمة حتى تتحمل مسؤولياتها، وتبتعد عن الأسباب التي تؤدي إلى هلاكها وانحطاطها؛ وهذا هو المغزى المنطقي لتلك الأخبار، وإلا فإن النتائج قد تكون عكسية.
وهذا التنبيه للوعي واضح جدا في بعض تلك الأخبار) سنراها جليا في كتب السير فهناك أحاديث دقيقة تصف لنا أحوال البشرية وما ستؤول إليها الأحداث والوقائع المؤلمة نتيجة الانحراف عن القوانين والسنن الربانية التي شرعت للبشرية فقد روي في الأثر عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم عن طريق عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ؛ قَالَ:
أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: (يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَر الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ. حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلاَّ فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلاَفِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا. وَلَمْ يَنْقَصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلاَّ أخذوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّة الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ. وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمَطَرُوا. وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُوِلِهِ، إِلاَّ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِن غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي بأَيْدِيِهمْ.
وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ، وَيَتَخَّيُروا ممَّا أَنْزَلَ اللهُ، إِلاَّ جَعَلَ اللهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ) إن هذا الحديث يترجم لنا ما في واقعنا المعاصر من أحداث مريرة وقضايا عصيبة في كل أرجاء الأرض فهذه الفتن تتجدد على مدار الساعة والدقيقة فليراجع كل منا نفسه وليصحح فكره هل وقع صدق هذا الخبر وبعد النظر الذي توقعه سيد البشر؟
فهل صحيح أن هذه العقوبة قد حلت ووقعت للأمة الإسلامية وغيرها من الأمم بسبب الانحراف التام عن التشريع الرباني سواء أكان حدث ذلك كليا أو جزئيا؟؛ فكانت النتيجة الحتمية للأمة المحمدية الفرقة وعدم الوحدة، ولينظر الناظر نتيجة تعطيل الحدود ماذا حل بالبشرية ووقع في مجتمعاتها فقد وقعت مختلف أنواع الشرور من جراء تعطيل الحدود الشرعية وكثرت الجرائم حتى أضحت تسجل في دول الحضارة الحديثة بالثواني.
وكذلك ظهور الفواحش ما ظهر منها وما بطن ألقت بظلالها فظهرت الأمراض التي لم تكن معهودة في الزمان الماضي كمرض الإيدز والزهري والسيلان وسرطان الكبد وغيرها فهذه الأمراض لم تصب الأقوام السابقين بل جاءت نتيجة المدنية الحديثة والتخلي عن بعض القيم الأخلاقية التي هي من طبائع البشر، وكذلك وحرمان الآخرين من حقوقهم فانتشر الفقر المتعدد الأنواع والأشكال بين البشرية.
وقد فشي في كثير من السلع قلة الميزان المتعارف عليه فكانت النتيجة من جنس العمل أرادوا أن ينقصوا الميزان فسلط الله عليهم أن يأخذ ما أنقصوه فتوالت المصائب من تلف في الأرض ومن تلف في الزرع حتى أن بعض الفواكه والثمار صارت ليست لها وجود إلا أن تجلب من مناطق أخرى، وتعذر كثير من الناس عن دفع الزكاة فكانت النتيجة الحتمية لذلك منع القطر، وكانت نتيجة نقض العهود والمواثيق بين الأفراد والمؤسسات أن فشي مرض الكذب والاحتيال والتزوير في المعاملات وتعطيل لبعض الأعمال وضياع بعض حقوق الناس.
وترتب على ذلك الشر الذي صار نتنفسه كما نتنفس الهواء. والعدو من غيرهم وهذا ما نراه عيانا ونسمع به في كل لحظة هذا العدو الأجنبي جاء إلى ديار الإسلام مساق رغم أنفه لأن الاعجاز النبوي أخبر بذلك سبب تقصيرنا المتلاحق في اتباع النهج القويم.