عُرِف أجدادنا بالردود المُفحِمَة. خاصة الأعراب.. و بدو اليوم هم أعراب الأمس. ومن طريف الأجوبة ما أذكره عندما كنت أعمل بالقضاء إذ عُرضت عليّ قضية أقامها رجل من البدو ضد أحد الأسيويين أن المدعي اشترى سيارة أجرة لهذا الأسيوي ليعمل عليها سائقا فإذا هو يبيعها خلسة ويستولي على ثمنها.

فلما سألت المدعي قص الأمر فطالبتُه بالبيّنة فإذا البدوي يقول بحماس شديد أيها القاضي اسأل المتهم عن اسمه فقال المتهم اسمي خان الله خان، قال المدعي: (يا قاضي، إذا كان المتهم خان الله ما يخوني أنا؟ فضجت المحكمة بالضحك حتى اضطررت لرفع الجلسة!).

دخل أعرابي على الحجاج بن يوسف، والعصا في يده فغضب الحجاج وظهر الغضب في وجهه وقال له مستنكرا: ما هذه العصا التي بيدك ففهم الأعرابي قصد الحجاج فقال على الفور:

هي عصاي، أركّزها لصلاتي، وأُعِدها لعِداتي، وأسوق بها دابتي، وأقوّي بها سفري، وأعتمد عليها في مِشيتي ليتسعَ بها خَطْوِي، وأثِبُ بها على النهر، وآمن بها من العَثْر، وألقي عليها كسائي فيقيني الحر، ويجنبني القُرّ، وتُدْنِي إليّ ما بَعُدَ عني، وهي مَحْمَل سَفرتي، وعِلاقة إداوتي، أقرع بها الأبواب، وألقى بها عقورَ الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان، وعن السيف عند منازلة الأقران، ورثتها عن أبي، وسأُوَرِّثها ولدي من بعدي، وأهش بها على غنمي،ولي فيها مآرب أخرى! فبهت الحجاج لفصاحته وأكرمه.

ومن سرعة البديهة ما يروى من أن قاضي القضاة أبا يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهما الله جلس يكتب كتابا وتصادف أن كان أحد الناس بجواره ويبدو أنه كان متطفلا إذ جعل يراقب الكتاب كلمة كلمة، وتنبه إليه أبو يوسف إذ رآه من طرف خفي فتصنع أنه لم يره حتى أتم الكتاب ثم نظر للرجل وقال له: أرأيت في الكتاب خطأ؟ قال: لا والله بل هو صحيح كله، قال أبو يوسف (جزاك الله يا أخي عن خساستك خير الجزاء!).

هناك أمور هي من خصوصيات الإنسان فلا ينبغي السؤال عنها إلا لداعٍ هام. من ذلك دخل الإنسان وسنه إلى أمور كثيرة.

ويروى عن هشام القرطبي أنه كان في مجلس أحد الأمراء فابتلي بمتطفل سأله علانية عن عمره إذ قال له: كم تعُدّ؟ فتجاهل هشام معنى السؤال وأجاب: إني أعد من واحد إلى ألف وأكثر! قال الرجل: لم أُرد هذا.. وإنما كم تعد من السن؟ قال ثنتين وثلاثين سِنّة.. نصفها من أعلى ونصفها من أسفل! قال الرجل: ما أردت ذلك.. ولكن كم لك من السنين؟ قال هشام: والله ليس لي منها شيء وإنما السنون كلها لله!

قال الرجل متأففا.. ما رأيت كاليوم! يا هذا.. ما سنك؟ قال هشام: إنه عظم! فازداد الرجل ضيقا وقال: أبِنْ لي.. ابن كم أنت؟ قال هشام: أنا ابن اثنين أب وأم! فقال الرجل: يا هذا كم أتى عليك من السنين؟

قال: والله ما أتى عليّ منها شيء ولو أتى عليّ منها شيء لقتلني! فسقط في يد الرجل وعلم أن هشاما يفهم السؤال ولكنه يتجاهله.. فقال له إذاً كيف أقول؟ فقال له هشام: قل: كم مضى من عمرك؟ فتنفس الرجل الصعداء إذ آن له أن يعلم الإجابة عن سؤاله.. وقال: كم مضى من عمرك؟ فقال له هشام: وفيم سؤالك عن هذا يا لكع!

فانفجر الناس ضحكا، وفرَّ الرجل خجلا.

وإلى أمسية الغد إن شاء الله تعالى.