إذا كان واجب العامل أداء العمل بجودة وإخلاص فإن الإسلام كفل له حقوقه كاملة غير منقوصة وألزم صاحب العمل أو الجهة التي يعمل فيها سواء مؤسسة عامة أو خاصة تأدية حقوق العامل على الوجه الأكمل وتوفير الراحة له من إجازات يتفق عليها بين الطرفين ومن مستحقات أخرى غير الراتب كتوفير بدل ترحيل له أو تأمين وسيلة تقله من وإلى مكان عمله وتوفير السكن المناسب أو تأمين بدل مالي لاستئجار سكن يتناسب مع العامل ووضعه الأسري وأن يستوفي العامل أجره دون تأخير أو مماطلة وتسويف.

يقول الشيخ أبو الوفا المراغي في كتابه «من قضايا العمل والمال في الإسلام»: «لقد قدر الإسلام العامل ومنحه من الرعاية والعناية ما يكفل له حقوقه ويشجعه على أداء واجباته فوضع الحق إزاء الواجب، كفل الإسلام للعامل حقه في التعليم والحرية والعبادة، وكفل له كرامته الإنسانية في أوسع صورها وجعله هو وصاحب العمل سواء، يتمم كل منهما رسالة الآخر» .

والعجيب ان نرى هذه الكفالات للعامل متوفرة عند الغرب «ديار غير المسلمين» ولا تتوفر في كثير من المرافق في ديار المسلمين ولا نقول كلها، أليس عجيبا أن يلتزم غيرنا بهذه المبادئ وتهمل عندنا نحن المسلمين وصدق الامام محمد عبده القائل عندما نفي إلى فرنسا:

«وجدت إسلاما وليس القوم بمسلمين، بينما نحن مسلمون ولا اسلام» أو كما قال، والمعنى أنه وجد القيم الإسلامية تمارس هناك ونحن المسلمين لا نطبق هذه القيم العظيمة في مجتمعنا الإسلامي، وهناك مقولة للدكتور عمر فروخ يطالب فيها بتجديد في المسلمين لا في الإسلام، لأن الإسلام سيظل بمبادئه القويمة جديداً على مر القرون.

وما يحتاج إلى التجديد هم المسلمون الذين ارتكسوا وأغفلوا هذه القيم العظيمة إننا في ديارنا الإسلامية كثيراً ما نرصد تجاوزات أما من أصحاب العمل أو من العمال تؤدي إلى خصومات بين الطائفتين تبلغ ذروتها أحيانا، ولهذه التجاوزات.

من هذا الفريق أو ذاك لها أسبابها بالطبع، من ذلك الخداع.. خداع كل من الطرفين للآخر، يكون العامل غير كفء لما أسند إليه فلا يؤديه الأداء الأمثل أو يكون كفؤا ولكنه غير مخلص لا يقوم بواجباته إلا برقابة تفرض عليه، والأمانة التي يخونها البعض والمنصوص عليها في القرآن الكريم يمكن ان يندرج تحتها شتى الأمور. قال تعالى:

«يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وانتم تعلمون» سورة الانفال ـ الآية 27، وضياع الأمانة الذي تفشى بصورة تكاد تكون وبائية في زماننا هذا علامة من علامات الساعة الصغرى ونحن عن ذلك غافلون تماما غفلتنا عن كثير مما يحدث بيننا من العلامات الأخرى «سرقتنا السكين كما يقول المثل الشعبي» فعن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة.

قال: كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة» وأهلية الأمر ليس بالضرورة ان تكون حصرا في الحكم ـ كما يتبادر إلى الأذهان ـ كلا ولكن لو أننا أسندنا إدارة الفريق القومي لكرة القدم مثلا أو أية لعبة رياضية أخرى إلى غير مؤهل لذلك، النتيجة تكون تدهور مستوى الفريق وخساراته المتلاحقة، وهذا مجرد مثال وقس على ذلك أموراً أخرى، ان الإسلام بحث على الكفاءة والعلم بما يسند إلينا والحفاظ عليه بالأمانة والخلاص.

وهذه ابنة شعيب تحض أباها على استئجار موسى عليه السلام عندما لمست فيه القوة والأمانة عند سقايته لها مع أختها عند بئر مدين، جاء على لسانها في الكتاب الكريم قوله تعالى: «يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القومي الأمين» سورة القصص ـ الآية 26، ويقول على لسان يوسف عليه السلام عندما أخرجه الملك واستدعاه ليسند إليه أمراً من أمور الدولة «قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم» سورة يوسف ـ الآية 55.

وإذا كنا في حقوق العامل على صاحب العمل قد تحدثنا عن ضرورة إعطائه الأجر المناسب وعدم تأخير مستحقاته وحقه في الراحة وأداء العبادة وغيرها، نضيف إلى ذلك إن الإسلام يستوجب ان يكون العمل على قدر طاقة العامل، فمن توجيهات رسول الرحمة والإنسانية صلى الله عليه وسلم قوله «إن إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» رواه الشيخان.

وكلمة «خولكم» الواردة في الحديث الشريف معناها «خدمكم» فبربكم كم إهانات يتعرض لها الخدم في بيوتنا، نعاملهم وكأنهم سقط المتاع وليسوا بشراً مثلنا، حتى الذين يدعون أنهم ملتزمون بدينهم تراهم يتعالون ويتكبرون على الخدم بهذه الكيفية المزرية والنماذج كثيرة لا مجال لسردها .

ومن المزايا التي يتميز بها الإسلام على صعيد العمل والعمال أنه يضمن للعامل التكافل الاجتماعي ـ كما ضمن لغيره من فئات أخرى ـ الحق في تأمين معيشته وكرامته عند العجز والمرض والشيخوخة كما يضمن له حق حماية أسرته بعد وفاته ان تركتهم من غير ثروة يعتمدون عليها، وفي ذلك نقرأ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه:

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من ترك كلا فألينا، ومن ترك مالاً فلورثته» والكل:هو الضعيف الذي لا يستطيع القيام بحوائجه.

الإسلام ينبذ البطالة

ويختتم هذه الجولة مع حقوق العمل والعمال في الإسلام بإشارة مهمة وهي ان دين الحياة والقيم يكره ان يكون الإنسان المسلم عاطلاً متبطلاً يستمرئ المسألة. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل، الصائم النهار، بل ان الإسلام يرفع العمل إلى مصاف العبادات اعلاء لشأنه. قال تعالى: «علم ان سيكون منكم مرضى، وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله».

وهؤلاء الضاربون في الأرض هم الذين يعلمون ويسعون لرزقهم ورزق من يعولون بعون الله مقسم الأرزاق للمجدين والساعين في طلبه ـ أي الرزق.