هو الوحي اللفظي الذي نزل به الروح الأمين (جبريل) على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم والحديث عن القرآن يبعث في النفس البهجة وفى القلب اليقين، فهو القول الفصل، والحجة البالغة في كل الأزمنة.

وبالقرآن ترتقي الأمم وتسود فقد أحدث في الجزيرة العربية ثورة، بددت الظلام الحالك وبعثت الأمل وهو النور الهادي إلى طريق الحق والعزة والرفعة. لقد كان هؤلاء يشربون الخمر ويئدون البنات ويعبدون الأصنام دون قانون يحكم الأرض، فجاء القرآن ليبدد الظلام ويحدث التغيير الشامل.

والذي سوف نتطرق إليه والقرآن فيه نبأ الأولين وخبر الآخرين وحكم ما بين الخلائق أجمعين، بدد الخوف ليسير بعد ذلك الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الذئب على غنمه.

وهذا القرآن العجيب يأخذ بيد الفطرة الإنسانية خطوة خطوة، ويصعد بها في هوادة ورفق وفى حيوية وحرارة وعلى بصيرة درجات السلم في المرتقى الصاعد إلى القمة السامقة، وصدق الله القائل «وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً..».

لقد تبدلت الأحوال في الجزيرة بفضل هذا القرآن وتعليماته السامية فارتفع قدر المسلمين الأوائل. إنهم في خلال خمسين عاماً فتحوا بلاد الفرس والروم واتسعت رقعة الإسلام ودخل الناس في دين الله افواجاً فأخذ القرآن بيد البشرية إلى طريق الهدى والحق، فقويت شوكتهم ونالوا عزتهم..

وكلما تدبر القلب القرآن عاد منه بزاد جديد، وكلما صحبته النفس زادت له ألفه وبه أنساً علاوة على تيسيره للذاكرين: «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر».. سورة القمر.

أى أربع مرات يتكرر ذكر الآية في سورة واحدة لقد يسره الله بلسان عربي أي بلغة العرب حتى لا يختلط الأمر على قريش يتذكر ويخشى. يتذكر فتنفعه الذكرى. يتدبر معاني القرآن، فالقرآن معنى وليس مغنى وهو ميسر للإدراك به جاذبية ليقرأ ويتدبر:

«إن هذا القرآن يهدى للتي هي أقوم».. سورة الإسراء.

يشمل القرآن برنامجاً للهداية يهدي إلى كل سبل الخير في كل زمان ومكان يهدي للتي هي أقوم في عالم الضمير والشعور بالعقيدة الواضحة البسيطة التي لا تعقيد فيها ولا غموض.

ويهدي للتي هي أقوم في التنسيق بين ظاهر الإنسان وباطنه وبين مشاعره وسلوكه وبين عقيدته وعمله فإذا هي كلها مشدودة إلى العروة الوثقى التي لا تنفصم متطلعة إلى أعلى وهى مستقرة على الأرض وإذا العمل عبادة متى توجه به الإنسان إلى الله.

ويهدي للتي هي أقوم في عالم العبادة بالموازنة بين التكاليف والطاقة فلا تشق التكاليف على النفس حتى تمل وتيأس من الوفاء لقد كلف الله يسيراً ولم يكلف عسيراً قال: «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها..» سورة البقرة.

لم يكلفها إلا ما آتاها: «لا يكلف الله نفساً إلا ما آتاها».. سورة الطلاق.

ويهدي للتي هي أقوم في علاقات الناس بعضهم ببعض: أفراداً وأزواجاً ودولاً وأجناساً، فهو أعلم بما خلق. فأما الذين لا يهتدون بهدي القرآن فهم متروكون لهوى الإنسان، العجول الجاهل بما ينفعه وما يضره.

وهذا القرآن لم يأت لمواجهة موقف تاريخي. إنما جاء منهجاً مطلقاً خارجاً من قيود الزمان والمكان، منهجاً تتخذه الجماعة المسلمة حيثماً كانت في مثل هذا الموقف الذي تنزل فيه هذا القرآن، وهى اليوم في مثل هذا الموقف تماماً، في حاجة ماسة وسريعة إلى الرجوع إلى تعليمات القرآن ليأخذ بيدها إلى الصراط المستقيم.

وقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا القرآن لينشئ الإسلام في الأرض إنشاء ويربى على منهاجه الناس. فليكن اليقين الجازم بحقيقة هذا الدين والشعور الواضح بحقيقة قدرة الله وقهره، والمنازلة الحاسمة مع الباطل وأهله. لتكن هذه عدة الجماعة المسلمة في المرحلة المقبلة لكي تعود لهم عزتهم.

(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فكل من بلغه هذا القرآن من الناس قاطبة بلغة يفهمها ويحصل منها محتواه، فقد قامت عليه الحجة به، وبلغه الإنذار والبشرى وحق عليه العذاب إن كذب بعد البلاغ. فهناك من الأمم من كذب الرسل فحق عليهم العذاب وقص القرآن علينا أنباءهم.

والقرآن وحي يوحى أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم مصدقاً لما بين يديه دليلاً على صدقه مخبراً بحجيته على حقيقة نبوته، وبما آتاهم به من البيان والحكمة والفرقان بلسان مثل ألسنتهم (بلسان عربي) لأن لسان محمد صلى الله عليه وسلم عربي ليس بأعجمي.. فكان ذلك معيناً على صحة ما جاء إليهم به من أخبار مصدقة ومن بينات وهدى. وصدق الله إذ قال: (إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون) (2- يوسف).. وكذلك (بلسان عربي مبين).

وجاء في الطبري: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رجل يا رسول الله أي الأعمال أحب إلى الله ؟.قال: (الحال المرتحل. قال: وما الحال المرتحل. قال: يضرب من أول القرآن.. إلى آخره كلما حل وارتحل).

قال أبو جعفر في حث الله عز وجل عباده على الاعتبار بما في آي القرآن، من المواعظ والتبيان بقوله جل ذكره لنبيه - صلى الله عليه وسلم:«كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب»والعبرة تكمن في تدبر معاني القرآن وما هو آمر به وناه عنه.

وقوله: «ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون قرآناً عربياً غير ذي عوج لعلهم يتقون».

وما أشبه ذلك من آي القرآن التي أمر الله عباده وحثهم فيها على الاعتبار بأمثال القرآن والاتعاظ بمواعظه، ما يدل على أن عليهم معرفة تأويل ما لم يحجب عنهم تأويله من آية لأنه محال أن يقال لمن لا يفهم (اعتبر بما لا فهيم له به).

يقول على رضي الله عنه (وتعلموا القرآن فانه أحسن الحديث، وتفقهوا فيه فانه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فانه شفاء الصدور، وأحسنوا تلاوته فانه أنفع القصص وإن العالم العامل بغير علمه كالجاهل الحائر الذي لا يستعين من جهله، بل الحجة عليه أعظم والحسرة له ألزم وهو عند الله ألوم والقرآن هو الحجة البالغة التي لا يضل من يصدع بها).