عن أبي هرير رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا وشبك أصابعه» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم «رواه الأمام البخاري في صحيحه».

يبين الرسول صلى الله عليه وسلم المؤمن للمؤمن كالبنيان في التماسك والقوة وقال المؤمن ولم يقل المسلم لان هناك فارقا بين الإسلام والإيمان.

الإسلام: ان تشهد ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً.

والإيمان: نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ونؤمن بالقضاء خيره وشره حلوه ومره وأيضا الإيمان هو قول باللسان وعمل بالأركان وتصديق بالجنان ومن كتب الله في قلبه الإيمان فلن يستطيع أي إنسان مهما علا قدره ومهما علا كعبه إن يأخذ منه شيئا: قال تعالى:

«أولئك كتب في قلوبهم الإيمان» فبلال بن رباح كان يطرح في رمضاء مكة ويوضع الحجر الثقيل على ظهره وكان يقول له أمية بن خلف أكفر بمحمد فيقول بلال أحدأحد فرد صمد لا والد ولا ولد رب السماء والفضاء والجبال والشجر اله قادر مقتدر له جبيني قد سجد.

هذا نشيد بلال ثم يقول لأمية بن خلف لن تنال مني إلا هذا الجسد الذي يأكله الدود والتراب أما قلبي فن تصل إليه «قلب مؤمن» اولئك كتب في قلوبهم الإيمان متصلاً بالواحد القهار (قالت الأعراب، آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) إذن الإيمان غير الإسلام فالمؤمن وليس المسلم هو لأخيه كالبيت القوي المتماسك في القوة والشدة وعبر صلى الله عليه وسلم بالصورة فشبك بين أصابعه.

ان التآخي الإسلامي قضية اجتماعية بارزة لها حضورها في مقتضيات الدين وقد تجلت مثاليتها في تآخي المهاجرين والانصار رضي الله عنهم فكانوا المثل الناصع وقد أضحى هذا التآخي في النص ظاهراً مرئياً .

ويمكن ان نقول صار ملموسا وصار المؤمن إلى جانب أخيه المؤمن لبنة متينة والمتانة هي التمسك بأوامر الدين والانزجار عن نواهيه، فلولا متانة اللبنة لفقد البناء تماسكه فهذا يعني ان الإسلام يوفق بين خيرية الذات وخيرية المجتمع والتوازن بينهما يدل على عافية والاخلال بأحد الطرفين مدعاة لانحسار وزوال.

ويبدو ان هذه اللبنة تزداد متانتها وجماليتها بالاقتران بصواحبها ولا تتولد من ذاتها وحدها إذا لابد من التعاضد والتكاتف. إذن فالتآلف مع الآخرين ضرورة تتجسم في قوة البناء والجمال يتجسم في كلمة مرصوص قال تعالى «ان الله يحب الذين يقاتلون في سبيله كأنهم بنيان مرصوص» ونظام اللبنات مريح لتكراره الإيقاعي وكونه يؤدي نفعا ولا يفرق الإسلام بين النفعية والجمالية.

يحض هذا الحديث على الحب وينفي الأنانية والأثرة كما تذوب هذه اللبنة في البناء ولا يعطي قيمة للذات المفردة كما صنعت الفلسفات الهادمة فلا قيمة لها الا داخل هذا التشكيل البنائي الذي يوطد مفهوم الإسلام روح الجماعة فيه.

ولاهمية البيت في حياة العربي الذي أحيط بمخاوف البيئة العربية الصحراوية ولاهمية البيت في حياة الإنسان ماديا ومعنويا تجسد مفهوم الرحمة في البيت فقد قام الرسول في صلاة فقال اعرابي وهو في الصلاة «اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا» فلما سلم النبي قال للأعرابي لقد حجرت واسعا يريد رحمة الله.

فقد استدعت الغريزة هذا الاعرابي الساذج إلى تمني الرحمة مقتصرة عليه وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوسع على نفسه فيضيق على غيره، وفي هذا الفعل أنانية والإسلام يستبعد تضخم الذات على حساب الآخرين فجاء تهذيب غريزة حب البقاء والطمأنينينة شكلا فنيا كنائيا يرد على غلظة الأعرابي فالدين لم يمنع الإنسان من الاهتمام بالذات بل أنكر عليه التوقع والدوران حول الذات.

وكأنما صارت الرحمة بناء واسعا لطرف واحد والصورة أقرب إلى شكل الدائرة المتوسعة من غيرها أمام البصر تتقلص الأرض خارجها طرداً من اتساع هذه الدائرة فهي صورة حركية ممتدة كما ان لفظة تحجرت المأخوذة من الحجر تومئ إلى قساوة القلب والتصلب في معاملة الآخرين والانكماش على الذات مع ما توحي به الشدة القوية على حرف الجيم القوي والحجر رمز القسوة في تشبيهات القرآن الكريم ومع ازدياد البناء زيادة في الحجر والمساحة النفسية التي تتصاعد في الكبر مجسمة القسوة.

ويقول الشريف الرضي: وهذه استعارة وأصل التحجر ان يختط الإنسان خطه ويضرب عليها سياجاً ليجوزها بها ويعلم أنها في قبضته ومنه الحجرة وهو البيت المضروب وجعلت بعد ذلك اسما لبناء مخصوص.

فأراد عليه الصلاة والسلام بقوله للأعرابي: لقد تحجرت واسعا تشبيه بمن ضرب سياجه على قاعة واسعة فحازها ومنع غيره من المشاركة فيها لأنه دعا ربه ان يرحم النبي صلى الله عليه وسلم فيرحمه معه خصوصا وحظر رحمته سبحانه على الناس عموما وكان ذلك تحجراً على الرحمة وسيطرة على النعمة وخلافا لقوله تعالى ورحمتي وسعت كل شيء وتتخذ الأنانية المجسمة صيغة حيوانية لاقترانها بل امتزاجها بالحظيرة وفق تركيب استعاري فعلي لقد قال «لقد احتجرت واسعا» .

وهذا يعني الاغراق شيئا فشيئا في الطابع الحيواني مع تزايد البناء واتساع الحظيرة ففي هذا التعبير هبوط واضح إلى حضيض الحيوانية مما ينفر من فعل الأنانية.