مراعاة حقوق المسلمين وتعظيم حرماتهم والتودد إليهم خلق الفاهمين الواعين الذين يخشون ربهم ويخشون ضياع الحسنات يوم القيامة وهم الذين يرفعون قواعد مجتمع الفضيلة والسعادة والأمن والريادة ويحصنونه بقلعة الأخلاق الفاضلة وبحصن التواصي بالحق والتواصي بالصبر والتواصي بالرحمة، فهم رحماء فيما بينهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، يتشاورون بلا كبر أو انتصار لرأي شخصي، تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.
وهم يد على من سواهم، ودماؤهم بينهم حرام وكذلك أعراضهم وأموالهم، مثلهم كمثل البنيان يشد بعضه بعضاً في تماسكهم، وإحساسهم واحد كأنما نبع من قلب واحد له النبض والإحساس نفسه وبذلك صاروا كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، يحترم بعضهم بعضاً ويدورون في فلك قوله سبحانه وتعالى: «واخفض جناحك للمؤمنين» فتترجم الآية لديهم سلوكاً عملياً في التواضع والرفق فيما بينهم، ويعين بعضهم بعضاً في البر والتقوى.
والمجتمع المسلم بناء وصرح شاهق يتكون من لبنات وهذه اللبنات أفراده ولا يبلغ هذا البنيان ارتفاعه وعلوه إلا بترابط تلك اللبنات بمادة الحب والمناصرة والمعونة والمعاضدة وتعظيم الحرمات وهذه الأشياء كالاسمنت تزيد من تماسك لبنات «أفراد» المجتمع فعن أبي موسى رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وشبك عليه الصلاة والسلام بين أصابعه (متفق عليه) ومن ثم لا يمكن للمسلم بمفرده أن يقيم أمور دينه ودنياه وكل مصالحه، فلا بد من مجتمع يحفظ الحقوق ويعين على الطاعة والحياة.
وهذا المجتمع وحدة متكاملة في الرحمة والتواصل والتعاون ولذلك شبهه المبعوث رحمة للعاملين صلى الله عليه وسلم بالجسد الواحد. عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:
«مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» فأفراد هذا المجتمع يتراحمون بأخوة الإيمان ويتواصلون ويتزاورون ويتهادون وهذا هو التواد أما التعاطف فهو إعانة بعضهم بعضاً كما يعطف الثوب عليه ليقويه مما يدل على قوة وشائج التواصل ومتانة أواصر أخوة الإيمان.
ومما يوضح أهمية تعظيم حرمات المسلمين قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة.
ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» والحديث بدأ بإشارة لطيفة إلى أخوة المسلمين المتحابين ثم أوضح حرمة ظلم المسلم أو حتى تركه بين أيدي الظلمة وأعوانهم دون أن نمد له يد العون لأن خذلان المسلم وعدم نصرته ـ وما أكثر هذا بيننا الآن ـ يترتب عليه خذلان الله سبحانه وتعالى لهذا المتكاسل المتخاذل المتقاعس عن نصرة إخوانه لذلك أكثر النبي من النهي عن خذلان المسلم. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وحسنه: «المسلم أخو المسلم لا يخونه ولا يكذبه ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام: عرضه وماله ودمه، التقوى ههنا، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم» فلا ينبعي على المسلم أن يخون أخاه فينقصه حقه أو لا يكون معه أميناً، كما عليه ألا يكذبه.
أي لا ينسبه للكذب أو يخبره بأمر على خلاف الواقع والحقيقة لغير مصلحة شرعية ثابتة بنص، وعليه نصرته وعدم الخوض في عرضه بل عليه الذود عن أعراض المسلمين إذا حاولت ذئاب البشر نهشها والنيل منها، فدمه وعرضه حرام، ويكفي شراً وإثماً وخيبة احتقار المسلمين.
ومن حقوق المسلمين عدم زيادة ثمن سلعة بقصد أن يغرّ غيره أو أن يبيع على بيع أخيه، وكذلك من الأمور المنهي عنها التدابر وهو أن يعرض عن الإنسان ويهجره ويجعله كالشيء الذي وراء الظهر والدبر، وفي هذا تقليل من شأنه ويدل على ذلك ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
«لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله....» فنهى عن التحاسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب ولا يكيد إلا صاحبه فينال منه لذلك قال الشاعر:
اصبر على كيد الحسود
فإن صبرك قاتله
فالنار تأكل بعضها
إن لم تجد ما تأكله
وقد كان ذنب عدو الله اللعين إبليس هو الحسد والكبر، فحسد آدم لما رآه فاق الملائكة بأن خلقه الله بيده وأسجد له الملائكة وعلمه كل أسماء الأشياء وأسكنه جواره فلا يزال يسعى بحسده إلى أن أخرجه من الجنة وما أشبه الكثيرين به خاصة اليهود فقد قال تعالى: «ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق» وهذا داء الأمم المهلك، ومما يحرم على المسلم بيع النجش القائم على الغش والخداع والغرر والضرر، كما يحرم هجر المسلمين المؤدي للتدابر وإثارة الضغائن والإحن والتباغض.
ومن حقوق المسلمين نصرتهم إن كانوا ظالمين بردهم عن الظلم وإن كانوا مظلومين بجلب الحق لهم، ونختم بقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس».