«أنفِق أُنفِق عليك» رواه احمد والشيخان عن أبي هريرة.إن الله سبحانه وتعالى أمر عبده أن ينفق في المصالح الخيرية مما أنعم الله عليه وجعله حاكماً عليه وتحت يده من نقد أو عرض تجارة أو غير ذلك مما يحوزه الإنسان ويملكه لأن المال كله منه عز وجل رزقه عبده ليصرفه في منافع المسلمين فإن الله سبحانه فرض للمؤمن الزكاة فيكون ملتزماً بها.
ولكن نحن سنتطرق في الصدقة التي تخرج من نفس الشخص عن رضا وطيب خاطر دون ضغط فعلمنا رب العالمين أن ننفق مما رزقنا سراً وعلانية قال الله تعالى آمراً نبيه صلى الله عليه وسلم: «قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ» (إبراهيم:31).
قل ـ أيها الرسول ـ لعبادي الذين آمنوا: يؤدوا الصلاة بحدودها، ويخرجوا بعض ما أعطيناهم من المال في وجوه الخير الواجبة والمستحبة مسرِّين ذلك ومعلنين، من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا ينفع فيه فداء ولا صداقة.
قال صلي الله عليه وسلم: «ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه الله، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، فينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة» قال عمر رضي الله عنه: (ذكر لي أن الأعمال تباهي، فتقول الصدقة: أنا أفضلكم).
فإن الله عز وجل ربط المال بالنفس في القرآن الكريم في ثمانية مواضع لأنه اختبار للنفس عند دفع الأموال إما للزكاة أو للصدقة فهو اختبار أي يكون برضا أم مجبر أو يكون في حالة بخل أو يكون على رياءً أو بتكبر أو بالتباهي فكل هذا مرتبط بالنفس لا يعلمه إلا الله سبحانه فلذلك تقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس «أَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ» في سبعة مواضع والموضع الوحيد الذي تقدم جهاد النفس علي جهاد المال في قوله تعالى: «إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ...» (التوبة111)
أي أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم بأن لهم في مقابل ذلك الجنة، وما أعد الله فيها من النعيم لبذلهم نفوسهم وأموالهم في جهاد أعدائه لإعلاء كلمته وإظهار دينه، فجاء بالنفس هنا أولاً لأن النفوس تطهرت تماماً وبأنه تعالى اشترى أنفسهم بكل ما فيها بأموالهم وغيرها فيعتبر ذلك بمنته وجوده ذلك الفوز العظيم.
ويقول عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصدقات ظلُّ فسطاطٍ في سبيل الله عز وجل أو منحة خادم في سبيل الله، أو طروقة فحل في سبيل الله» (رواه أحمد والترمذي، صحيح الجامع)، وقال صلى الله عليه وسلم: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا.
وإن صاحب الصدقة يدعى من باب خاص من أبواب الجنة يقال له باب الصدقة كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة يا عبد الله، هذا خير: فمن كان من أهل الصلاة دُعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دُعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دُعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دُعي من باب الريان» قال أبو بكر: يا رسول الله، ما على من دُعي من تلك الأبواب من ضرورة فهل يُدعى أحد من تلك الأبواب كلها: قال: « نعم وأرجو أن تكون منهم».
علمنا رب العالمين أن الصدقة منَّ علينا من كرمه أن جعلها وسيلة لتطهير النفوس فإن لها ثمرات وفضائل رحمة منه لنتطهر بها من كل الآفات إن كان من ذنوبنا أو رفع درجات أو البعد عن البخل والشح الذي يصيب به نفس المؤمن فجعلها إنقاذاً لنا فهي من أوامر الله تعالى.
من ذا الذي ينفق في سبيل الله إنفاقاً حسناً احتساباً للأجر، فيضاعفه له أضعافا كثيرة لا تحصى من الثواب وحسن الجزاء؟ والله يقبض ويبسط، فأنفقوا ولا تبالوا؛ فإنه هو الرزاق، يُضيِّق على مَن يشاء من عباده في الرزق، ويوسعه على آخرين، له الحكمة البالغة في ذلك، وإليه وحده ترجعون بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم.
إن صاحب الصدقة يبارك له في ماله كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: «ما نقصت صدقة من مال».